فلسطينيو 48 مسيرة وتاريخ

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

يحيي فلسطينيو 48، في الرابع والعشرين من الشهر الحالي، ذكرى نكبة شعبهم، فخصوصيتهم على الساحة الفلسطينية وفي وطنهم، فرضت عليهم ليس فقط أجندة نضالية مميزة، وإنما أيضا رزنامة خاصة، فهم يتعمّدون إحياء ذكرى النكبة في نفس اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل ذكرى قيامها حسب التقويم العبري، تمشيا مع شعار: "يوم استقلالهم يوم نكبتنا".

ولربما أن هذه مناسبة لاستعراض مسيرة نضالية مستمرة دون توقف منذ 59 عاما، ولكنه في هذه الأيام لربما أصبح ضرورة، على ضوء ما كثر نشره في هذه الأيام، في أعقاب قضية عضو الكنيست الدكتور عزمي بشارة، رئيس حزب "التجمع الوطني الديمقراطي"، واختيار البعض ومن بينهم الدكتور بشارة نفسه، تهميش مسيرة نضالية طويلة وتاريخية، وخلق انطباع مضلل ومتجن، بأن المسيرة بدأت قبل عشر سنوات.

كنت أفضل أن تبقى الجهود موظفة مرحليا في قضية التضامن مع الدكتور بشارة، وألا نضطر للدخول في نقاشاتنا الداخلية، نحن الفلسطينيين في إسرائيل، وهو الأمر الذي غاب ويغيب دائما عما أكتبه خارج الوطن، ليس من باب التجاهل والتعتيم والتستر على شيء، وإنما من باب تفضيل الأهم، فالمطلوب منا، وهذه مسؤوليتنا الوطنية، أن نتركز في الجوهر، وفي ظروفنا وسبل حل قضيتنا، وعدم إشغال العالم بخلافاتنا وتباين اجتهاداتنا الوطنية.

ولكن للأسف لا يمكن تجاهل كل ما قيل على لسان الدكتور، والصديق، إذا سمح لي بتسميته كذلك، عزمي بشارة، خاصة وأن البعض يردده من منطلق الإعجاب بشخصه دون حساب لمسيرة شعب بأكمله! فمن تابع مقابلة بشارة مع قناة الجزيرة، وأيضا لوسائل إعلامية عربية أخرى، يخرج بانطباع واحد ووحيد، وهو أن كل شيء بدأ لدى فلسطينيي 48 منذ عشر سنوات فقط، حين أسس بشارة حزبه، ولم يلتفت إلى أي من إنجازات هذا الشعب، عدا ما يعتبره هو قفزة نوعية، وكأنه جاء بجديد، وهو أمر مُختلف عليه جدا.

إن العنوان الأكبر للمسيرة النضالية التي خاضها فلسطينيو 48، منذ أيام النكبة وحتى يومنا هذا، هو أسطورة نضالية، حققت إنجازات لا يمكن اعتبارها إلا معجزة، إذا ما عرفنا تفاصيل وحجم مؤامرة الحركة الصهيونية على شعبنا.

فإن 153 ألف فلسطيني بقوا في وطنهم في أكثريتهم الساحقة فقراء، حُرموا من مُلكية الوطن والأرض والمسكن والحرية الشخصية، انطلقوا كطائر الفينيق من رماد النكبة، إلى معركة البقاء في الوطن، والحفاظ على التراث والهوية.. الحفاظ على الوطن، في مواجهة سلسلة من المؤامرات السلطوية التي تغلغلت حتى في داخل المجتمع الفلسطيني.

في سنوات الخمسين والستين، كان النشاط السياسي في ظروف قاسية ترهيبية من الدرجة الأولى، إلى درجة أن أبسط تحرك سياسي كان يعتبر بطولة، نظرا للعواقب المحتملة من حبس وترحيل، في تلك الأيام لم يكن على ساحة فلسطينيي 48 سوى إطارين سياسيين أحدهما أكبر، وهو الحزب الشيوعي، الذي بأكثريته الساحقة امتداد للحزب الشيوعي الفلسطيني، إلى جانب مجموعات قومية وطنية، أقامت لاحقا حركة الأرض التي تم حلها سلطويا، وفي فترة لاحقة تحولت إلى حركة أبناء البلد العريقة.

وكانت أكثرية القوى الوطنية تنشط من خلال الحزب الشيوعي وفي فلكه، الذي احتضن شخصيات قادته، لتصبح شخصيات على المستوى الفلسطيني العام، نذكر منها إميل توما وتوفيق زياد وإميل حبيبي وتوفيق طوبي، وشباب وطنيين في تلك الفترة من امثال الشاعرين الفلسطينيين محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما.

ولم تكن المسيرة النضالية منغلقة على فلسطينيي 48، الذين ليس فقط خاضوا نضال البقاء في الوطن، بل عرفوا كيف يصونون الهوية واللغة، حتى ينطلق الأدب الفلسطيني المقاوم المميز، صارخا من قلب الكيان الجديد (إسرائيل)، رغم سطوته وبطشه، ليتحول إلى تراث قصص وأناشيد وطنية.

وإن كان أحدٌ يتحدث عن الخطاب الوطني وكأنه بدأ قبل عشر سنوات، ليته يتذكر من غنى منذ سنوات الستين: "كأننا عشرون مستحيل في اللد والرملة والجليل"، ومن غنى: "أناديكم اشد على أياديكم أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم"، وغيرها.

هذا الشعب وبقيادته السياسية عرف كيف يخوض معركة شرسة تحفظ الكرامة الوطنية، تتفهم الظروف بمسؤولية كبيرة دون مغامرة، وتحقق الهدف، وبعد أن خاض سلسلة من النضالات المشرفة وفي أحلك الظروف في سنوات الخمسين والستين، سطّر معركة "يوم الأرض"، ومن بعدها سلسلة من المعارك النضالية في سنوات الثمانين وما بعدها.

وفي سنوات الثمانين، بدأ مفهوم التعددية السياسية يتوسع بدرجة كبيرة بين أوساط فلسطينيي 48، فقد ظهرت "الحركة التقدمية" وبعدها بقليل الحركة الإسلامية، ومن ثم أحزاب صغيرة أكثرها ظهرت على شكل انشقاقات من أحزاب صغيرة أخرى، ثم جاء التجمع الوطني الديمقراطي في العام 1996، برئاسة الدكتور بشارة، ولكن بشارة يدرك تماما كمن خاض المعترك السياسي من قبل، أنه لم يأت بحزبه الجديد إلى صحراء سياسية.

من يدرس تاريخنا النضالي تتكشف أمامه مدرسة نضالية مميزة، وكيفية تطور وسائل النضال بموجب التطورات المحلية والإقليمية والعالمية، وهذا يقف أيضا وراء تطورات السنوات الأخيرة، ولا يمكن لأحد أن ينسب لنفسه شخصيا هذا التطور الطبيعي لنضال الجماهير الواسعة.

إن تاريخنا ونضالنا لم يبدأ عند افتتاح أول فضائية، وظهور أحد ما على شاشة التلفزيون، فتاريخنا أعمق وأبعد من أن توثقه مقابلة تلفزيونية أحادية الجانب متجنية، ويا ليت البعض ينتبه إلى الحقيقة الأكبر قبل أن يوثق على نفسه موقفا مكتوبا قد يرى ضرورة للعدول عنه مستقبلا، إذا سعى حقا للحقيقة.

إن ما يظهر من خطاب عضو الكنيست بشارة أن كل شيء بدأ منذ عشر سنوات، وانه "فرض خطابا وطنيا" ففي هذا تجن ما بعده تجن على هذه المسيرة النضالية، أو أن يدعي انه كان أول من تحدث عن "تعريف أقلية قومية"، لنعيده إلى أدبيات مختلف الأحزاب التي سبقته بسنوات طوال.

وأيضا حين يدعي انه قلب أصول اللعبة البرلمانية، فإنه يشطب بذلك تجربة قيادات سياسية لامعة، استمرت على مدى عشر سنوات في داخل حلبة صنع القرار في إسرائيل، حينما لم يكن بعد "بث مباشر" ولا إعلام ولا اضواء.

من المؤسف حقا أن يأخذ هذا المقال طابع "الدفاع عن تهمة" ليست موجودة أصلا، في ظل هجمة سلطوية إحدى ضحاياها بشارة نفسه، تهدف بالأساس إلى ضرب شرعية وجودنا في وطننا، وسلخنا عن واقعنا وهويتنا، فالصهيونية في جوهرها، وطيلة عشرات السنوات، لم تكن تعترف بوجود شعب فلسطيني، وهذه العقلية التي وقفت من خلف محاربتنا بوسائل شتى لضرب لغتنا وثقافتنا وحضارتنا، ومحاولة تقسيمنا إلى طوائف وملل، وتمردنا على كل هذا، فكيف من الممكن ان نسكت أمام محاولة اصطناع تاريخ جديد لنا.

إن النائب بشارة يواجه حملة سلطوية إسرائيلية، وملفات تحقيق ما نزال نجهل حيثياتها، ومهمة الوقوف إلى جانب بشارة، خاصة بين جماهير فلسطينيي 48، هي مهمة لا يمكن أن تكون مشروطة بأي حال من الأحوال، فالنضال والمبادئ ليست معروضة للمقايضة إطلاقا.

ولكن من جهة أخرى يجب الانتباه إلى أمر مهم، فحزب "التجمع" الذي يرأسه بشارة، يسعى إلى تجنيد القوى السياسية الوطنية والطليعية بين جماهير فلسطينيي 48، وقد أعلنت وقفتها إلى جانب بشارة دون تردد، ولكن ليس من المعقول أن تخوض هذه القوى نضالا، وفي أوجه تجد أن صاحب الشأن يشطب لها رصيدها وتاريخها وانجازاتها، انجازات شعب بأكمله، كما يظهر من خطابات بشارة.

ومن الأجدر بالنائب بشارة أن يترفع عن الخصوصيات وخطاب المنافسة، في وقت هو أحوج فيه إلى أوسع قواعد شعبية، لكي لا تقتصر حملات التضامن على قيادات أحزاب وقوى سياسية فقط.

في مقال آخر نشرته على صفحات "الغد" في الأسبوع الماضي، أكدت أن هجوم السلطة الجديد على النائب بشارة يأتي ضمن حملة قديمة متجددة على شرعية وجودنا كلنا كفلسطينيي 48 في وطننا، هذا هو الجوهر، وعلى أساسه تدور المعركة والمواجهة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استعراض شامل وموضوعي (شاهد على العصر)

    الخميس 19 نيسان / أبريل 2007.
    اتمنى ان تصل هذه المادة القيمة الى كل انسان عربي لكي يفهم طبيعة ومجريات التطورات الاخيرة على حقيقتها.
    كل الاحترام لكل مناضل اي كان واينما كان
    تحية للكاتب برهوم جرايسي
  • »تحية للاستاذ برهوم (فلسطيني)

    الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2007.
    مقال ممتاز لانه ينتصر للحقيقة التاريخية دون اسفاف وبدون ادعاءات منتفخة