الامتحان القريب للنظام السوري في لبنان!

تم نشره في الأحد 1 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

تركت القمة العربية التاسعة عشرة التي استضافتها الرياض انطباعاً بأن الرئيس بشّار الأسد استطاع، أقلّه ظاهراً، فك العزلة شبه التامة التي يعاني منها نظامه منذ ما يزيد على سنتين. ظهرت بوادر العزلة في شباط من العام 2005، أي منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، رمز العروبة الصادقة الحقيقية وليس عروبة الشعارات التي تخدم في النهاية اسرائيل، وتصبّ في خدمة سياساتها. وتكرّست العزلة العربية للنظام السوري بعد الخطاب الذي ألقاه الأسد الصيف الماضي فور توقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، ووصف فيه عدداً من الزعماء العرب بأنّهم "أنصاف رجال".

لماذا القول إنّ الرئيس السوري لم يستطع فك العزلة عن نظامه إلاّ ظاهراً؟ لسبب في غاية البساطة، تمثّل في أن هذا النظام لن يكون قادراً على استكمال إعادة تأهيل نفسه إلاّ إذا نفّذ ما هو المطلوب منه في لبنان قبل أيّ مكان آخر. وبكلام أوضح، ليس وارداً أن تكون هنالك صفقة على حساب لبنان، لا عربياً ولا دولياً، أي ليس كافياً أن يكون النظام في دمشق على استعداد لتقديم تنازلات في العراق أو فلسطين كي يستعيد المبادرة في لبنان. حتى لو سمح العرب بذلك، ويبدو أنّهم لن يسمحوا، فإنّ الأسرة الدولية لا يمكن أن تتراجع عن موقفها القاضي برفض العودة السورية إلى لبنان.

هنالك صفحة طويت. صفحة الصفقات التي ضحيّتها لبنان على غرار ما حصل في العام 1976 والعام 1990 عندما أعطت الولايات المتّحدة سورية تفويضاً يسمح لها ببسط نفوذها في لبنان.

في بداية العام 1976، فكّر وزير الخارجية الأميركي الدكتور هنري كيسينجر طويلاً، بعدما اكتشف أنّ الحرب اللبنانية التي اندلعت في الثالث عشر من نيسان 1975 يمكن أن تتحوّل إلى نزاع إقليمي، في وقت كان يركز على تطوير اتفاقات فك الاشتباك التي وقّعتها إسرائيل مع كلّ من سورية ومصر برعايته وبفضل جهوده. وتوصّل كيسينجر إلى أن أفضل ما يمكن عمله لاستيعاب الوضع اللبناني، السماح للجيش السوري بالانتشار في كلّ الأراضي اللبنانية بغية "وضع يده" على منظمة التحرير الفلسطينية وقوات الفصائل الفلسطينية المختلفة الموجودة في لبنان. لم ينتشر الجيش السوري في كلّ لبنان كما كان يشتهي وزير الخارجية الأميركي الذي هندس اتفاق فك الاشتباك في الجولان المحتل في العام 1974. منذ ذلك التاريخ، لم تطلق رصاصة واحدة من الجولان على الرغم من أنّ القسم الأكبر منه لا يزال تحت الاحتلال.

يعود سبب عدم انتشار الجيش السوري في كلّ لبنان إلى "الخطوط الحمر" التي وضعتها إسرائيل والتزمتها الإدارة الأميركية ودمشق في آن. وقضت "الخطوط الحمر" الإسرائيلية بإبقاء الجنوب اللبناني مجالاً للمسلّحين الفلسطينيين. وأبلغ الإسرائيليون كيسينجر في معرض تبريرهم لـ"الخطوط الحمر" أنهم "في حاجة بين الحين والآخر إلى مناوشات مع الفلسطينيين". معنى هذا الكلام أن إسرائيل رفضت دائماً وجود جيش نظامي في جنوب لبنان وأنها سعت دائماً إلى أن تكون المنطقة خارج سلطة الشرعية اللبنانية أو أي سلطة شرعية أخرى. وربما كان ذلك ما يفسّر الرفض المستمرّ للرئيس إميل لحود إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب حتّى بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000 تنفيذا للقرار الرقم 425. وهو رفض لم تعد له قيمة منذ صدور القرار 1701 في آب الماضي، والذي انتشرت بموجبه القوّة الدولية المعززة في جنوب لبنان جنباً إلى جنب مع الجيش الوطني.

في العام 1990، حصل الرئيس الراحل حافظ الأسد على تفويض أميركي جديد في لبنان بعدما انضم إلى التحالف الدولي وأرسل جيشه ليحارب مع الجيش الأميركي من أجل تحرير الكويت من الاحتلال العراقي. وساعدت الأسد في وضع يده على كلّ لبنان، بما في ذلك قصر الرئاسة في بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة، عبقرية "الجنرال" ميشال عون المتمرّد وقتذاك على الشرعية ممثلّة بالرئيس المنتخب الشهيد رينيه معوّض، الذي كان بقاؤه خارج قصر الرئاسة سبباً سهّل على الأجهزة السورية اغتياله.

لا شكّ أن الرئيس السوري الحالي يستعيد حالياً الظروف التي سمحت للنظام في بلاده في إخضاع لبنان، ولذلك لا بدّ من التعاطي بحذر شديد مع خطواته المقبلة. هل سيعتقد أن استقباله في القمّة بالطريقة التي استقبل بها، والانفتاح عليه، سيسمحان له بالحصول على ضوء أخضر من العرب في لبنان، أم سيفكّر مليّاً في الأمر ويعتبر أن العرب، عموماً، إنما أرادوا التأكيد له أنّهم على استعداد لإعادة تأهيل نظامه في حال غيّر سلوكه؟

في كلّ الأحوال لن يمرّ وقت طويل قبل اكتشاف ما إذا كان بشّار الأسد سيلتقط الفرصة الجديدة التي أتاحتها له قمّة الرياض. سيظهر ذلك من خلال حلفائه، مثل "حزب الله" وأدواته اللبنانية من ميشال عون، إلى وئاب وهّام، إلى سليمان فرنجية... إلى سليم الحصّ ومن لفّ لفّه!

موعد الامتحان قريب. مواضيع الامتحان معروفة: من الموقف من الحكومة الشرعية، إلى المحكمة ذات الطابع الدولي، إلى العلاقات الديبلوماسية بين بيروت ودمشق، إلى ترسيم الحدود، إلى الإقرار بلبنانية مزارع شبعا والتوقف عن المتاجرة بها، إلى الكف عن تهريب السلاح والمسلّحين إلى الأراضي اللبنانية، إلى التخلّي عن كلّ ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والتحريض على اللبنانيين الشرفاء الذين يرفضون المذهبية والأحزاب المذهبية التي لا تخدم في النهاية سوى الاستراتيجية الإسرائيلية في المدى الطويل.

لائحة مواضيع الامتحان طويلة جدّاً، وهي إن دلّت على شيء، فإنّها تدلّ على أن في استطاعة النظام السوري إظهار نياته الحسنة تجاه لبنان بكلّ سهولة في حال اختار البدء بأحدها كي يؤكّد أنّه تغيّر وأنّه على استعداد للقبول بلبنان المستقل السيّد الحرّ المزدهر الذي هو في واقع الحال أفضل خدمة لسورية ولشعبها... هذا حين يتخلّى النظام فيها عن أوهامه وعن أحلام العظمة.

ثمة من يردّ على هذا الكلام بأنّ التفاؤل بتغيير في سلوك النظام السوري تجاه لبنان ليس في محلّه. لماذا؟ لأن الكلمة الأخيرة في شأن لبنان في طهران وليس في دمشق، وأن تصرف بشّار الأسد في الرياض لم يكن سوى تمرين في العلاقات العامة. ما هي إلا أيام ويعود كلّ شيء على حاله. لا تغيير في السلوك السوري تجاه لبنان! نعم، ما هي إلاّ أيام قبل أن نرى من على حق... سنرى هل يمكن لسلوك النظام السوري في لبنان أن يتبدّل، أم أن التغيير من رابع المستحيلات، وأن الرهان عليه مثل شراء سمك في البحر!

كاتب لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الطفل اللبناني المدلل (حسام مطلق)

    الأحد 1 نيسان / أبريل 2007.
    ليس من الصواب الانطلاق من الدوافع الشخصية في الامور التحليلية. القارىء لم يعد كما كان قبل عقد. حيث ينتظر صحيفة بذاتها او صحفي او اذاكة كي يستقي الاخبار. الواضح ان النظام السوري نجح في خطته التي مشا فيها بهدوء وثقة لمواجهة التحدي الاميركي لوجوده. العلاقة مع ايران هي المفتاح. فهم النظام السوري ذلك ولعب على هذا الوتر. السعودية كما مصر والاردن هم اقطاب الحركة العربية السياسية لاسباب مالية واسلامية للاولى تاريخية للثانية وديمغرافية وجغرافية للثالثة. الدول الثلاث لديها قلق حقيقي من النفوذ الايراني في الشرق.