جميل النمري

اشتراكية للقرن الحادي والعشرين؟

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

 مع انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت الاشتراكية موضة قديمة، فقدت بريقها ومصداقيتها. ولم تقتصر النتيجة على انهيار أنظمة شمولية تقوم على الإدارة المركزية للاقتصاد، وسيطرة الدولة المطلقة على وسائل الإنتاج والسوق والتبادل التجاري، بل أيضا التخلي عن ملكية القطاع العام في الدول الرأسمالية من خلال عمليات خصخصة شملت كل شيء، تنفيذا لمفهوم الدولة التي تمثل إدارة عامّة محايدة، لا تملك ولا تستثمر ولا تتدخل في قوى السوق. وهو المفهوم الذي تابع انتشاره في دول العالم الثالث، إن لم يكن اقتناعا فبفعل الشروط الملزمة لإعادة جدولة الديون تحت إشراف صندوق النقد والبنك الدولي.

وظاهريا، كان صندوق النقد يتفق مع كل دولة على برنامج لـ"إعادة الهيكلة" و"التصحيح الاقتصادي"، أما في الجوهر فكانت الوصفة نفسها في كل مكان: خصخصة القطاع العام، وضبط الإنفاق، وتحرير السوق والأسعار، وإلغاء الدعم، وخفض الجمارك والحواجز أمام التجارة مع الخارج، وتعميم ضريبة المبيعات، وتشجيع الاستثمار بخفض الرسوم  والضرائب على الشركات.

ومع أن هذه السياسة شملت العالم كله، إلا أن أثرها على العالم الثالث كان أسوأ بفعل المنافسة غير المتكافئة مع الدول المتقدمة، مع أن الفئات الشعبية في هذه الأخيرة عانت أيضا من سياسات إلغاء البرامج الاجتماعية، وخفض الإنفاق على الصحة والتعليم، وإلغاء قوانين تضمن العقود الجماعية للأجور والفصل من العمل، وتؤمن أصحاب الدخل المحدود ضد التضخم وغلاء الأسعار.

هذه السياسات اندفعت على ظهر موجة العولمة الكاسحة، وثورة تكنولوجيا المعلومات التي حققت تحديثا غير مسبوق في كل مفاصل الاقتصاد، ورواجا جديدا وتراكما هائلا للثراء، واندفاع فئات اجتماعية جديدة تعمل في مجال المعلوماتية مقابل تقلص نفوذ وأهمية الطبقة العاملة والاقتصاد الصناعي التقليدي. لكن من جهة أخرى، لم تتأخر النتائج الاجتماعية السيئة عن الظهور. فقد زادت الهوة في الدخول بصورة غير مسبوقة، وعادت معدلات البطالة للاتساع، وتضاعفت معاناة الفئات الدنيا والمهمّشة.

بصورة ما فإن الهزيمة لم تلحق بالأنظمة الشمولية غير الديمقراطية فحسب، بل أيضا بالفئات الشعبية ومنظماتها ومؤسساتها ومصالحها في البلدان الرأسمالية، واتضح أن الأمر في نهاية المطاف ومجددا هو صراع طبقي انتصرت فيه الفئات الرأسمالية العليا لمصالحها الأنانية، مع تراجع مضمون الديمقراطية بوصفها قدرة الأكثرية على المشاركة في القرار.

لفترة من الوقت كانت التظاهرات المناهضة للعولمة على هامش الملتقيات الدولية تأخذ طابعا فولكلوريا يمثل الحنين إلى ماض مدفون، حتى جاء خبر آخر من أميركا اللاتينية بانتصارات ملفتة لليسار في معظم تلك البلدان. ويقود هوغو شافيز في فنزويلا التيار الأكثر جذرية الذي يطرح علنا مشروعا اشتراكيا جديدا في ظلّ النظام الديمقراطي.

من المبكر التنبؤ بمسار هذه العودة المناهضة لموجة الليبرالية الرأسمالية، لكن من حيث المبدأ فقد جرى سريعا استهلاك ما بدا أنه الأفول النهائي لفكرة العدالة الاجتماعية، وتدخل الدولة لتحقيق التوازن الذي ظهر أنه يختل بصورة غير مقبولة، إذ لا يمكن الركون إلى المسؤولية الذاتية للقوى التي تمسك بالثروة وتدير الاقتصاد.

من المبكر التنبؤ بمستقبل الوجهة الجديدة، لكن المؤكد أنها تقوم على المزاوجة بين الحرية الاقتصادية والسوق الحرّة من جهة، والمسؤولية الاجتماعية من جهة أخرى، ودائما في ظل الديمقراطية.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخصخصه وتحجيم المصانع واعادة الهيكله وتشغيل الروبات سياسه جديده. (خالد مصطفى قناه)

    الجمعة 23 آذار / مارس 2007.
    بعد انهيار الاتحاد السوفيتي زعيم الاشتراكيه والشيوعيه المعاديه للنظام الرأسمالي، بدأت الانظمه الرأسماليه تكشر عن أنيابها، ويدأت بسحب معظم الامتيازات الاجتماعيه والخدمات التي تم تشريعها ونفذتها الشركات من خلال المفاوضات التي قادتها النقابات العماليه والمهنيه الواعيه، وحققت من خلال نضالها التأمين الطبي والتأمين ضد البطاله والتقاعد للشيخوخه بعد سن 65 سنه ولكن بعد أفول نجم الاتحاد السوفيتي لم يعد هناك مبررا لابقاء تلك الامتيازات للعمال والمستخدمين والتي استحدثت أصلا للرد على السوفيت بمدى قيمة الخدمات المجانيه لمواطنيهم من مساكن وتأمين طبي ومعاش مضمون للشيخوخه، فبدأت تظهر برامج الخصخصه وتحجيم المصانع واعادة هيكلتها والتي سميت Down Sizing, and re-tooling وتشغيل الروبات.
    في برنامج للمذيع الأمريكي الشهير تيد كابل التقى بأحد كبار رجال الصناعه الذي أعلن أن المصانع ستنتج عددا محدودا من السيارات بسعر ثلاثمائة ألف دولار للسياره وستقتصر ملكية هذه السيارات على الصفوه فقط،فسأله المذيع وما هي آثار النتائج السلبيه على العاطلين من البشر؟ الجواب هذه مهمة الدوله،أنا رجل أعمال ومهمتي تحقيق الربح، ودمتم.
  • »الرجاء التفريق (عصام)

    الجمعة 23 آذار / مارس 2007.
    تحية
    شكراً لطرحك مقال حول البديل الإشتراكي. و هو بديل إجتماعي/إقتصادي لما نعيشه الآن من سيطرة دين "وحدانية السوق" كما سمّاه جارودي. تعليقي هو حول ضرورة التفريق بين النظام الشمولي و بين الإشتراكية. الإتحاد السوفياتي الذي كان نظاماً شمولياً لا يمثل الشكل الوحيد من الأنظمة الإشتراكية. هو شكل إختاره الحزب هناك في حقبة ما. مثال آخر، في تشيلي وصل الليندي إلى الحكم بإنتخابات ديمقراطية، و هو زعيم حزب إشتراكي. و هذه الأيام، وصلت أحزاب إشتراكية إلى الحكم في فنزويلا، بوليفيا، تشيلي،البرازيل و دول أخرى في أمريكا اللاتينية. بإعتقادي و إعتقاد الكثير، أنّ وجود كتل إشتراكية و مجموعات إشتراكية في جميع البلدان هو صمام أمان لهذه المجتمعات كي لا تزيد الهوة بين الطبقات. الصراع الطبقي قائم شئنا أم أبينا، و لكن طبيعة الصراع يختلف بإختلاف المسافة الممتدة بينها.
    نعم، نحن بحاجة إلى حركة إشتراكية حقيقية في الأردن. تقوم بالدفاع عن مصالح الأغلبية الكادحة من عمال الجهد البدني/الذهني. نحن بحاجة إلى هذه الحركة لوضع حد للنهج الإقتصادي الساري منذ 1989 بقرارات صندوق النقد الدولي الذي لا يمثل إلا مصالح فئة صغيرة