روسيا وإيران: صدام نظريتين

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

لم تعد إيران منذ يناير 2007 تدفع فاتورة أعمال بناء محطتها الذرية لتوليد الكهرباء في بوشهر والتي تتولاها روسيا. فبعد مباحثات استمرت شهرين أعلنت روسيا تأخير موعد إكمال بناء المحطة. ومن حق روسيا أن تجمد المشروع ما دام يتم تجميد تمويله من قبل من تعاقد معها. ومن جهة ثانية يبدو وكأن الحق مع إيران من حيث أنها تظن، فيما يبدو، أن روسيا مطالبة بدفع ثمن الصداقة معها.

وأتخيل أن يجري الحديث على النحو التالي:

روسيا: انتهينا من إنجاز أعمال محددة وحان الوقت للتدقيق في الفاتورة الواجب دفعها.

إيران: نعم، فنحن نكره الولايات المتحدة الأميركية.

روسيا:؟ إيران: ماذا لا تفهمون؟ روسيا: نحن بصدد الحديث عن دفع المستحقات. إيران: نحن أيضا بصدد ذلك، فنحن نكره الأميركيين. روسيا: ولكننا بصدد الحديث عن دفع مستحقاتنا، فكلفة مشروع بوشهر تقدر بما يقارب مليار دولار..

هنا يرفع الوفد الإيراني الجلسة ليعلن رئيسه في ختام اجتماع تشاوري مع أعضاء الوفد اعتذاره لأنه اضطر إلى تغيير المترجم بسبب سوء التفاهم، ثم يبتدر قائلا: نفهم أن عقد إنشاء محطة بوشهر على قدر كبير من الأهمية. أليس كذلك؟ روسيا: يسرنا أنكم تفهمون ذلك.

إيران: نحن أيضا سعداء، فهذا العقد في غاية الأهمية بالنسبة لنا. روسيا: ينطبق ذلك علينا أيضا بالطبع.

إيران: تتجاوز أهميته مليار دولار. روسيا: يكفينا المليار. إيران: تنبع أهميته من أنه يشكل في واقع الحال جبهة مشتركة ضد الشيطان الأكبر وضد الإمبريالية الأميركية والصهيونية بحكاياتها المختلقة عن الهولوكوست، وهي الحكايات التي دحضها خيرة علماء العالم.. روسيا: ولكن، مع الاعتذار، هذا بعيد عما هو موضع اهتمامنا هنا. إيران: يستخدم الصهاينة حكاية الهولوكوست كهراوة مسلطة على العالم العربي وأوروبا..

ثم يتحدث أعضاء الوفدين الروسي والإيراني في آن معا، إلى أن يرفع الوفد الإيراني الجلسة ثانية ليغير المترجم. ثم يعود الوفد الإيراني إلى غرفة المحادثات ليقول رئيسه: أيها الزملاء المحترمون.. خلاصة القول إن تعاوننا على قدر كبير من الأهمية من الناحية السياسية أولا كعامل في صد العدوان الأميركي الصهيوني. ولهذا فإننا مقبلون على الدخول في تعاون معكم. ومن الواضح، والحالة هذه، أن مسألة دفع المستحقات مسألة فنية لا أكثر ويمكن مراجعتها في أي وقت.

روسيا: فلنراجعها الآن. إيران: لا مانع، ولكن تجدر الإشارة إلى أننا لا نقدر ثمن الصداقة مع روسيا بالنقود، فقيمتها هي أن هناك فهما مشتركا لوجوب رفض نظام القطبية الأحادية كما أشار إلى ذلك الرئيس الروسي وأن الشعوب الحرة لن تقبل شروط الصهاينة كما أشار إلى ذلك الرئيس الإيراني.

روسيا: دعنا نناقش مسألة دفع مستحقاتنا. إيران: سوف نناقشها بالطبع بعد استراحة فنية قصيرة..

*   *   *

يمكن أن تستمر مباحثات من هذا القبيل إلى أجل غير مسمى. والأمر المفهوم في أية حال أن إيران لا تريد أن تدفع لأنها لا تشاء ذلك ببساطة، ولأنها تتبع أسلوب التعامل مع الجميع من موقع القوة. وترى القيادة الإيرانية أن ذلك كان يعود على إيران بالفائدة حتى الآن بخاصة في التعامل مع موسكو. كما تظن إيران - أخيرا- أن موسكو بصدد مقارعة القوة الأميركية العظمى، وبالتالي فإن روسيا تحتاج إلى إيران كمن يعاونها. ولا تريد إيران إبان ذلك أن تكون "الشريك الأصغر"، فلا مانع لدى إيران بأن تقبّلها روسيا، ولكنها لا تعتزم أن تقبّل روسيا حرصا على ماء الوجه. وترى إيران، مع ذلك، أن روسيا مدعوة لتشييد محطة بوشهر على نفقتها (روسيا).

وهنا تتصادم نظريتان الأولى هي أن تدعم روسيا أصدقاءها بمن فيهم "الصديق الإيراني"، كما فعل الاتحاد السوفيتي في حينه (وأيضا الولايات المتحدة) بخاصة أن هذا الصديق "يكره أميركا".

والنظرية الثانية، وهي نظرية جديدة تتماشى مع ركب عصرنا الحديث، عصر اقتصاد السوق، تقضي بأن تقدم روسيا المساعدة السياسية إلى شركائها، ولكن ينبغي على الشركاء أن يسددوا قيمة الخدمات أو السلع التي يحصلون عليها من روسيا بالكامل.

هكذا يدور الجدل أو الصراع بين نظريتين متضادتين. وسوف نعرف قريبا أيهما الغالبة.

عضو في مجلس الخبراء لدى وكالة نوفوستي

التعليق