موسكو والشرق الأوسط

تم نشره في الاثنين 19 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

النفوذ المتنامي لإيران في الشرق الأوسط لا يرجع إلى الفرص التي أفرزتها الإحباطات التي تواجهها القوة الأميركية في العراق فحسب، بل ويرجع أيضا إلى الحماية الدبلوماسية التي تحظى بها من جانب الصين، وروسيا في المقام الأول. ونظراً للجولة التي قام بها الرئيس بوتن في الشرق الأوسط لاستعراض عضلات الدبلوماسية الروسية في المنطقة، فإن الوقت مناسب الآن لتقييم نفوذ بلاده في المنطقة.

لقد نجحت روسيا طيلة العامين الماضيين، عن طريق براعتها في التهديد باستخدام حق النقض في مجلس الأمن، في تقليم قائمة العقوبات المقترح فرضها على إيران لانتهاكها لالتزاماتها وتعهداتها أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما يتصل ببرنامجها النووي. ونتيجة لهذا فقد جاءت العقوبات التي فرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إيران فاترة إلى الحد الذي قد يجعلها بلا تأثير يذكر.

روسيا تنظر إلى علاقاتها بإيران باعتبارها وسيلة لبسط نفوذها على الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط الكبير، حيث نجحت الولايات المتحدة في تهميش دور الكرملين ونفوذه منذ نهاية الحرب الباردة. كما تسعى روسيا على نحو أناني إلى إعفاء مفاعل بوشهر النووي الذي تبنيه لصالح إيران من العقوبات (والذي من المقرر أن يبدأ العمل في وقت لاحق من هذا العام)، فضلاً عن تجنب أي ضغوط مالية تفرض على إيران برعاية الأمم المتحدة، وهي الضغوط التي من شأنها أن تعرض للخطر الأرباح التي تأمل روسيا في تحقيقها بتزويد المفاعل بالوقود النووي، والذي من المفترض أن يبدأ العمل في وقت لاحق من هذا العام.

يزعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أن إيران، على العكس من كوريا الشمالية، لم تطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم تتنكر لمعاهدة منع الانتشار، ولم تجر اختبارات على أسلحة نووية، وعلى هذا فإنها لا تستحق معاملة قاسية. ولكن ما لم يتم إجبار إيران على وزن التكاليف الحقيقة المترتبة على مخططاتها النووية، فلن تجد من الأسباب الوجيهة ما يدفعها إلى التفكير في تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم وتجريب البلوتونيوم (وهما المادتان المستخدمتان في تصنيع الوقود النووي، ولكن يمكن استخدامهما أيضاً في تصنيع القنبلة النووية)، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شرطاً مسبقاً للدخول في مفاوضات جادة مع إيران.

من المعروف أن حجم التجارة بين روسيا وإيران هائل، الأمر الذي يشكل سبباً آخر لانزعاج روسيا من مسألة فرض العقوبات على إيران. إلا أن الولايات المتحدة كانت تمارس ضغوطها على المصارف الأجنبية لإرغامها على تقييد تعاملاتها مع إيران. وفي الشهر الماضي أضافت خمس شركات (أربع في الصين، وشركة خامسة تعمل في الولايات المتحدة إلى أنها تمثل مؤسسة صينية) إلى قائمة الشركات المشتبه في قيامها بمساعدة برنامج التسليح الإيراني، وبالتالي فقد منعت هذه الشركات من التعامل مع الشركات الأميركية. وهناك مخاوف متنامية في روسيا بشأن تنقيب إدارة الولايات المتحدة الآن عن معلومات تقودها إلى شركات روسية ذات روابط مماثلة بإيران وطموحاتها النووية.

والحقيقة أن السياسة الروسية القائمة على المكسب النقدي السريع والأمل في بسط المزيد من النفوذ الدبلوماسي تتسم بقصر النظر إلى حد خطير. (اختارت أوكرانيا من جانبها عدم المشاركة في بناء مفاعل بوشهر). وإذا ما صحت الشكوك بشأن المزاعم حول محاولة إيران سراً تعلم كيفية بناء وإطلاق الأسلحة النووية، وتصميم الصاروخ القادر على حمل مثل هذه الأسلحة (علاوة على العمل علناً على تصنيع وتطوير الصواريخ بعيدة المدى)، فهذا يعني أنها بمجرد إتقانها لعملية تخصيب اليورانيوم سوف تصبح جاهزة لخرق الحدود التي تفرضها معاهدة منع الانتشار، وفي الوقت الذي تراه مناسباً. والحقيقة أن روسيا، بدبلوماسيتها الواهنة، تقود العالم إلى منطقة بالغة الخطورة.

وهذا يشكل قصر نظر من نوع أكثر خطورة، ذلك أن وجود إيران مسلحة نووياً على حدود روسيا يتعارض مع مصالحها الوطنية، خاصة إذا ما علمنا أن المواطنين المسلمين في روسيا، والذين يبلغ تعدادهم عشرين مليون نسمة، يميلون على نحو متزايد الآن إلى التطرف. الحقيقة أن إيران كثيراً ما ينظر إليها باعتبارها أحد المصادر الرئيسية لدعم الانفصاليين الشيشان الذين أنفقت روسيا القدر الأعظم من العقد الماضي في محاربتهم. فضلاً عن ذلك، فإن المسلمين في روسيا يمثلون القطاع السكاني الوحيد الذي يشهد نمواً واضحاً، الأمر الذي يعني أنهم سوف يشكلون عاملاً أشد تأثيراً في صياغة السياسات الداخلية خلال العقود القادمة.

إلا أن روسيا، في سعيها إلى تعزيز قوتها اليوم، تبدو على استعداد للتضحية بمصالحها الأمنية بعيدة الأمد في المنطقة ـ وليس فقط فيما يتعلق بإيران. فالسؤال الضخم بشأن تركمانستان اليوم يتلخص فيما إذا كان الفراغ الناجم عن وفاة سابارمورات نيازوف سوف يسمح للتطرف الإسلامي بالتدفق من إيران وأفغانستان المجاورتين. ومن الواضح أن روسيا تبذل قصارى جهدها اليوم للتأكد من أن النظام الذي سيخلف نظام نيازوف، أياً كان، سوف يكون مستعداً لتلبية رغبات الكرملين.

منذ أمد بعيد كان لروسيا اليد العليا في تركمانستان. ذلك أن أكثر الغاز التركمانستاني يمر في طريقه إلى التصدير عبر خطوط الأنابيب الروسية. وتشتري جازبروم، شركة الغاز الروسية المملوكة للدولة، ذلك الغاز بأسعار منخفضة نسباً، ثم تتولى توزيعه في روسيا أو بيعه بأرباح في أماكن أخرى من أوروبا.

ولابد وأن الأمل يحدو إسرائيل، مثلها في ذلك كمثل تركيا والولايات المتحدة، في أن يسعى حكام تركمانستان الجدد إلى تنويع سبل توزيع الغاز عن طريق تبني مشروع تمديد خطوط أنابيب الغاز تحت قاع بحر القلزم. إلا أن التنويع مطلوب أيضاً في السياسة التي تنتهجها هذه الدولة، ذلك أن المعارضة الداخلية الوحيدة التي تتمتع بأي قدر من القوة في البلاد تتألف من أصوليين إسلاميين.

ظلت روسيا تتمتع بقرون من النفوذ في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وكان القدر الأعظم من هذا النفوذ يستغل لتحقيق مصالح الإمبراطوريتين الروسية ثم السوفييتية. إلا أن هذا النفوذ من الممكن أن يخدم كأداة قوية لتحقيق الازدهار ونشر الخير في المنطقة إذا ما توقفت روسيا عن السعي إلى انتهاز الفرص قصيرة الأمد وشرعت في العمل على تحقيق مصالحها بعيدة الأمد، وهي الغاية التي لن تتسنى لها إلا في وجود إيران مزدهرة وغير مسلحة نووياً، وتركمانستان أكثر انفتاحاً على العالم.

رئيسة وزراء أوكرانيا سابقاً، وهي حالياً زعيمة المعارضة هناك.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق