لا معادلة سحرية لحل مشاكل العراق

تم نشره في السبت 9 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

كل الحديث الان عن تقرير "مجموعة الدراسات حول العراق"، المكونة مناصفة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والتي يرأسها كل من جيمس بيكر -الصديق القريب لعائلة بوش وخاصة للرئيس بوش الاب، الذي خدم بيكر في عهده وزيرا للخارجية، وهندس بعد حرب العراق الاولى العام 1991 عملية السلام في الشرق الاوسط ومؤتمر مدريد- وعضو الكونغرس السابق لي هاملتون.

والتقرير الذي نشر قبل ايام فقط هو واحد من دراسات عديدة اخرى، كما تقول واشنطن، لتشخيص اسباب الفشل الذي منيت به الولايات المتحدة في العراق. ومن الواضح ان الاشارة إلى الدراسات الكثيرة تهدف إلى خلق انطباع بأن تدهور الاوضاع في العراق الى هذه الصورة المرعبة كان لاسباب خارجة عن قدرة الانسان؛ اسباب غامضة يحتاج الكشف عنها الى دراسات ومختبرات وتحليلات عملية، والى استنجاد بخبرة الخبراء، ولم يكن هذا الفشل نتيجة سبب واحد بسيط، معروف لنا بوضوح في هذه البلاد، تحدثنا فيه وكتبنا عنه عشرات المرات، وهو ان الحرب على العراق التي فجرت كل هذه المآسي، وأغرقت السياسة الاميركية في كل هذه الاوحال، هي حرب ظالمة لا مبرر لها، دفع بها المحافظون الجدد لغايات مغرضة، واهداف مرسومة منذ زمن، لخدمة اسرائيل بالدرجة الاولى والاخيرة.

لم يتعرض التقرير لهذا، ولم يتحدث عن الاخطاء الجسيمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال منذ وطئت ارض العراق، تلك الاخطاء التي تتحمل المسؤولية الرئيسة عن انفجار الاقتتال الطائفي، وتفاقم العنف، وانتشار الجريمة والفساد، وانهيار الامن والنظام، وتفسخ المجتمع، ما دفع الامين العام للامم المتحدة وغيره إلى القول "ان الوضع الحالي في العراق هو اسوأ مما كان عليه في عهد الرئيس السابق صدام حسين".

يبدأ التقرير بوصف الوضع في العراق بأنه "خطير ومتدهور، وانه لا توجد اي طريق لضمان النجاح". لكن التقرير يلقي باللوم على العراق وجيرانه، إذ يقول: "ان اعمال وسياسات جيران العراق تؤثر بمقدار كبير على استقراره وتقدمه... جيران العراق لا يعملون بالقدر الكافي لتمكين العراق من تحقيق استقراره، وبعضهم يقوّض الاستقرار". فالمسؤولية ليست على من اشعل الحريق، بل على الذي لم يهب لإطفائه.

ويتحدث التقرير عن التضحيات الجسيمة التي قدمتها الولايات المتحدة للعراق، في المال والرجال. ويقدر التقرير 2900 قتيل من الجنود الاميركين، و21000 جريح، كثيرون منهم اصيبوا بجراح خطيرة. اما في المال، فيذكر التقرير ان انفاق اميركا تجاوز حتى الان 400 بليون دولار، وان التكلفة الاسبوعية تبلغ 8 بلايين دولار، بالاضافة إلى المصروفات الباهظة اللاحقة، المتعلقة بالعناية بالمحاربين بعد الحرب، وتعويض المعدات المفقودة، ما يرفع فاتورة التدخل الاميركي في العراق الى ترليوني(الفي بليون) دولار.

هذه تضحيات كبيرة بالفعل، وتصبح اكبر اذا ما اضفنا اليها خسائر العراق في المال والرجال، بتقديرات بأن 850 ألف عراقي فقدوا حياتهم في هذه الحرب، وملايين اضطروا إلى مغادرة بلدهم طلبا للنجاة، فيما لا يمكن تقدير الخسائر المادية الان، ولا عندما يهدأ غبار الحرب بعد عدد لا نعلمه من السنين.

من الواضح ان جل اهتمام التقرير ينصب على محاولة اخراج اميركا، والرئيس بوش بالذات، من ورطة تزداد تفاقما وخطورة مع مرور الوقت. لذلك، فهو لا يتحدث عن انتصار، ولا عن ديمقراطية، ولا عن الثبات على درب المكابرة والعناد، بل يتحدث التقرير عن تحميل المسؤولية لحكومة العراق والدول المجاورة. وكما قال الرئيس الاميركي في مؤتمره الصحافي مع رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، في عمان، فإن على حكومة العراق ان تسرّع خطاها -وان بمساعدة اميركية- في تأهيل قواتها لمحاربة "التمرد" واستعادة الامن، ولبناء ما دمرته الحرب، حتى تتمكن في النهاية من استلام زمام الامور، وتمكين القوات الأجنبية من الانسحاب.

ويوصي تقرير بيكر-هاملتون بتحول اساس في مهمة القوات الاميركية، بحيث ينتهي دورها القتالي الذي سينتقل تدريجيا للقوات العراقية، ويصبح دور القوات الأميركية المساندة والتدريب. ويحدد التقرير مهلة لغاية ربيع العام 2008 حتى تغادر اي قوات اميركية ذات مهمة قتالية الاراضي العراقية.

لكن التقرير يحذر، في نفس الوقت، من اي انسحاب "غير مسؤول". كما يحذر ايضا -وهذا التحذير موجه للعراق- بأن المهمة الاميركية لن تظل مفتوحة الى الابد، وان المساعدات العسكرية والاقتصادية والسياسية الاميركية للعراق ستنخفض بمقدار كبير ان نكصت حكومة العراق في تحمل مسؤولياتها.

وفيما يتعلق بالعراق، يلقي التقرير بأدوار على دول الجوار، ويخص بالذكر ايران وسورية؛ كما يلقي بدور على المجتمع الدولي. ومن المشكوك فيه ان يتحقق في وقت قصير -هو مهلة المعطاة لواشنطن لتحديد خسائرها وتنظيم خروجها من هذه الورطة- خلق اجواء ودية تعاونية مع دولتين جارتين للعراق لهما مصلحة في هزيمة اميركا، بسبب المواقف الاميركية العدائية منهما؛ فأقل ثمن عرضه التقرير على سورية بوضوح هو تسوية مع اسرائيل تعني اعادة الجولان، فهل بمقدور واشنطن ان تفتح على نفسها جبهة جديدة مع اسرائيل في هذا الظرف الدقيق؟ الجواب قدمته اسرائيل حين رفضت التقرير وتوصياته المتعلقة بالنزاع العربي-الاسرائيلي، وقدمه اولمرت حين رفض كل حديث عن الجولان، منوها بأن الرئيس بوش يتفهم ذلك. وهذا صحيح بالفعل، وقد أعطى الرئيس بوش اكثر من اشارة بأنه غير ملزم بكل توصيات تقرير بيكر-هاملتون.

قد يكون التدهور في العراق تجاوز نقطة اللاعودة، ومن هنا لم يعد التقرير بحلول سحرية، ولا بوجود طريق تؤدي إلى النجاح المضمون. فقد نشأت في العراق ميليشيات ضخمة حققت مكاسب سياسية لم يكن من السهل ان تتخلى عنها، ولن يكون بمقدور حكومة المالكي ان تنزع سلاحها وتنزع نفوذها السياسي والعملي وتخضعها لحكم مركزي قوي بمساعدة اميركية غير مباشرة، طالما انها عجزت عن تحقيق اي جزء من ذلك عندما كانت كل قوة اميركا وكل جهد القوات الاجنبية في العراق معها. والخوف ان تضطر اميركا في نهاية الامر إلى اللجوء إلى انسحاب سريع، تاركة وراءها فوضى عارمة، كما هو عليه الحال في الصومال وافغانستان.

كم سعدنا ونحن نقرأ في تقرير بيكر-هاملتون ان المطلوب حلول لمشاكل المنطقة بمجملها، بما في ذلك الصراع العربي-الصهيوني. فهذه حقيقة طالما اكدنا عليها، واكد عليها كثيرون في العالم، لكن امام مقاومة ضارية من قبل اسرائيل ومؤيديها الذين ارادوا تصوير العنف والارهاب وكأنهما من صلب طبيعة العرب والمسلمين، ومن صلب دينهم وثقافتهم. وخرج علينا لهذه الاسباب امثال برنادر لويس وسامويل هنتنغتون بنظرية صراع الحضارات، فقط لإبعاد الشبهة عن مسؤولية اسرائيل وسلوكها ورفضها لأي تسوية معقولة، وتحويل قضية الصراع العربي-الصهيوني إلى بؤرة لتخمير العنف والظلم والتسلط، واليأس والتطرف وفقدان الامل، واتساع دائرة المحبطين، لتصبح حقول التجنيد للارهابيين الحقيقيين.

صحيح ان التقرير يوصي بذلك، لكن الرفض الاسرائيلي سيحبط اي توجه من هذا النوع. ومن المخيب انه بينما اوصى التقرير بوضوح بإعادة الجولان إلى سورية -وهذا هو الصحيح والمطلوب عندما تكون التوصية جادة، وعندما يكون العمل هو لتحقيق الاهداف الجادة- فإن التقرير كان مراوغا وباهتا ومترددا عندما تحدث عن اصل القضية، اي عن فلسطين. فرغم انه اشار إلى قضايا المرحلة النهائية(الحدود، والمستوطنات، وحق العودة، ونهاية النزاع) لكن التقرير قدم لذلك بالحديث عن "مفاوضات قابلة للاستمرار تؤدي إلى تسوية سليمة نهائية، بالتوازي مع فكرة بوش لدولتين، وتعالج قضايا المرحلة النهائية، وكأننا لم نكتف بعشرات السنين من المفاوضات العبثية".

لكن الرئيس بوش اعطى ضمانا خطيا لشارون بأن الحقائق التي خلقت على الارض، اي المستوطنات، لا رجعة عنها في اي تسوية نهائية. واين القدس؟ وما قيمة الحديث في التوصية السابعة عشرة، عندما يتعلق الامر بصراع تاريخي من هذا المستوى والاهمية، عن دعم الرئيس محمود عباس، وعن وقف اطلاق النار الهش في غزة، وعن حكومة وحدة وطنية فلسطينية؟ أليست هذه تفاصيل مرحلية زائلة لا قيمة لها عندما يتعلق الامر بقضايا المصير وطموحات الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية؟ أم اصبح الرئيس عباس، ووقف اطلاق النار، وحكومة الوحدة الوطنية، جزءا من طموحات هذا الشعب؟

لا شك ان تقرير بيكر-هاملتون خطوة متقدمة، ووصفة جريئة لمعالجة اوضاع تسببت عن مغامرات فاشلة ومغرضة، لكن هذه الوصفة ستواجه احد احتمالين: اما انه لن يكون من السهل ان يؤخذ بها بمجملها بجدية كافية، واما انها -وكما تنبأ التقرير في اول سطوره- لن تكون الحل السحري.

سفير الأردن السابق لدى الأمم المتحدة

التعليق