محمد أبو رمان

"أخوان الأردن" بين الأيديولوجيا والواقع

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

"ديمقراطية لمرة واحدة" لم تعد تلك ذريعةً للحيلولة بين الحركات الإسلامية والمشاركة السياسية أو الوصول إلى السلطة. فثمة اتفاق بين عدد كبير من الخبراء العرب والغربيين أنّ الحركات الإسلامية السلمية الفاعلة في الحياة العربية أحدثت "قفزة نوعية" كبيرة في فكرها السياسي من خلال تجاوز المنطقة الرمادية حول القبول بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والفكرية والدينية وتداول السلطة. هذه القفزة وإن كانت مهمة وحيوية إلاّ أنها تضع الإسلاميين في منتصف الطريق، إلى أن يتموا الوصول إلى المرحلة المطلوبة من الواقعية الفكرية والسياسية التي تؤهلهم تماماً ليكونوا لاعبين حقيقيين في السياسة العربية، بل قوة دفع كبرى باتجاه الإصلاح المنشود.

بالتأكيد لا يمكن وضع الحركات الإسلامية السلمية في المنزلة نفسها من التطور الفكري والواقعية السياسية. فهنالك حركات قد قطعت مع كثير من مقومات الشعارات الإسلامية الحالية وأعادت هيكلة رؤيتها بنيوياً وأصبحت أقرب إلى الأحزاب المسيحية الديمقراطية أو المحافظة في أوروبا، وهنالك حركات قطعت مسافة جيدة في الاجتهاد الفكري والبراغماتية السياسية، بينما لا تزال بعض الجماعات في بداية الطريق المطلوب.

في الأردن تطور المسار الفكري، وما حفل به من مناظرات أخوانية داخلية، باتجاهات مختلفة ومتعددة. ففي بداية التأسيس كانت قيادة "الأخوان" تتآلف من أعيان وتجار وشخصيات عامة معتدلة، تنطلق من الإدراك الاجتماعي العام للإسلام، مثّل الحاج

عبداللطيف أبو قورة نموذجاً على تلك المرحلة. لكن مع وحدة الضفتين وتضاعف عدد سكان المملكة واختلاف الطبيعة الاجتماعية والثقافية تطورت بنية الأخوان وأثر ذلك على توجهاتهم السياسية، وحدث تغيير القيادة في عام 1952 فسيطرت الفئات الاجتماعية الصاعدة كالمحامين والمدرسين وبعض أصحاب المهن، وبدأت القضية الفلسطينية تحتل موقعاً أكبر في اهتمامات "الأخوان"، وبدأت الجماعة تتمدد وتتعدد أنشطتها الاجتماعية والاقتصادية، فأسست في الستينيات جمعية المركز الإسلامي، وشاركت في نشاطات مدنية واسعة.

مع دخول "الأخوان" في معسكرات التدريب الفدائية برزت مناظرة كبيرة داخل الجماعة حول أهمية أن يكون لها جناح عسكري خاص- سري، تحسباً لأي تطور أو ظروف خاصة، وقد لعب الشيخ عبدالله عزام دوراً واضحاً في تلك الفترة، وتأطرت المناظرة بين اتجاهين رئيسين؛ الأول الذي يدعو إلى العمل السري والعسكري، ويرى أن الركون إلى العلاقة الجيدة مع نظام الحكم خطأ فادح، إذ إن مصير "الأخوان" في الدول العربية الأخرى كان مأساوياً، ويستدل على ما حدث لهم في مصر والعراق وسورية. أما الاتجاه الآخر فكان يرى الحفاظ على مبدأ علانية العمل، ورفض التورط في التنظيمات الخاصة والسرية وعسكرة المشروع الإصلاحي للجماعة، ويرى، الباحث والكاتب الإسلامي، زياد أبو غنيمة أنّ هذين الاتجاهين مثّلا الجذور الفكرية لما أصبح يعرف فيما بعد بتياري الصقور والحمائم.

بدأت ملامح الاختلاف الفكري والسياسي بين الصقور والحمائم تطغى على المناظرة والاستقطابات الداخلية الأخوانية منذ منتصف السبعينيات، وقد ظهر هذا الاستقطاب في الانتخابات التنظيمية عام 1978. الصقور أقرب إلى سيد قطب وفكره، متأثرين بأفكار عبدالله عزام، أغلبهم من المتخصصين في الشريعة الإسلامية كمحمد أبو فارس وهمام سعيد وعبدالله عزام وغيرهم، أما الحمائم فأغلبهم من المتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبعضهم درس في الولايات المتحدة الأميركية كأسحاق الفرحان وعبدالله العكايلة وعبداللطيف عربيات وغيرهم.

الصقور يتبنون رؤية سيد قطب الفكرية تجاه النظم العربية، على اعتبار أنها جاهلية، ويرفضون القبول النهائي بالديمقراطية، ويرون أنها أداة للتغيير لا غاية بحد ذاتها، هم أقرب إلى الاتجاه السلفي المحافظ في الأحكام الفقهية والشرعية، ويدفعون إلى السرية في التنظيم. أما الحمائم فأقرب إلى مدرسة الإمام حسن البنا والهضيبي، أكثر تقبلا للديمقراطية وميلاً للبراغماتية السياسية.

يرى، الباحث، ابراهيم غرايبة أنّ الصقور تمكنوا من إقصاء الحمائم عن القيادة الأخوانية في نهاية الثمانينيات، إلاّ أن الحمائم عادوا بقوة مع الانتخابات الداخلية- الأخوانية التي أجريت، في التسعينيات، بعد الانتخابات النيابية 1989، وقد شكلت قضية مشاركة الأخوان في وزارة مضر بدران عام 1991، بخمس حقائب وزارية، نقاشاً حاداً في أروقة الأخوان، إذ أصدر محمد أبو فارس كتاباً يحرّم فيه المشاركة في الوزارة بينما حرم إسحاق الفرحان عدم المشاركة.

مع منتصف التسعينيات كان اتجاهاً جديداً يتقدم بقوة ويمسك في مقاليد القيادة داخل الجماعة، وكان يتمثل بالجيل الأخواني الصاعد، الذي لم يكن راضياً تماماً عن كل من الصقور والحمائم ويعكس حالة صراع الأجيال. الاتجاه الجديد أُطلق عليه "الوسط"، وكان يتشكل من جيل الشباب ويدفع باتجاه "إصلاح الداخل الأخواني"، إلا أن هذا التيار اصطدم بتراجع المسيرة الديمقراطية وبالصدام مع الدولة على خلفية معاهدة السلام، وقاد المكتب التنفيذي المحسوب عليه عملية مقاطعة الانتخابات النيابية عام1997 احتجاجاً على الأوضاع السياسية. هذه المقاطعة أدت إلى خروج عدد من رموز الحمائم وقياداتهم كعبدالرحيم العكور وبسام العموش وعبدالله العكايلة من صفوف الأخوان، واسس بعض المستقيليين، فيما بعد، حزب الوسط الإسلامي.

إلاّ أنّ الضربة الحقيقية التي تلقاها تيار الوسط وأصابته بالصميم تمثلت بإبعاد قادة حماس من الأردن، في نهاية عام 1999، واتهام عدد من الأخوان للمكتب التنفيذي بالتخاذل والتلكؤ في الدفاع عن قادة حماس، ووصلت الاتهامات للقيادة "الوسطية" بالتآمر مع الدولة على حماس. أدت عملية إبعاد قادة حماس إلى انشقاق تيار الوسط وخروج تيار جديد من عباءته، أُطلق عليه التيار الرابع، قريب من حماس، وبعض أعضائه يعملون مع حماس في مجالات مختلفة إعلامية واستثمارية.

ورث كلٌّ من الوسط والاتجاه الرابع قيادة الأخوان من الصقور والحمائم، الذين بقي حضورهم مقتصراً على بعض الرموز من الجيل القيادي السابق. على رغم الاستقطاب الكبير بين الوسط والرابع وتداولهما على قيادة الجماعة في الدورات الانتخابية الأخيرة، إلاّ أنهما يتفقان على القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية والدينية وتداول السلطة وعدم احتكارها وعلى التغيير السلمي، وهو ما أثمر عن تبني رؤية الحركة الإسلامية للإصلاح، التي صدرت العام المنصرم، وتعكس، من ناحية أخرى، الموقف العام للتنظيم العالمي للأخوان المسلمين من سؤال الديمقراطية والتعددية، الذي بقي فترة طويلة غير محسوم في أروقة الجماعة الفكرية.

يقوم الخلاف الحقيقي اليوم بين اتجاه الوسط والرابع على عدة قضايا رئيسة أبرزها اولوية الإصلاح وسؤال العلاقة مع الدولة، هل يكون مبنياً على الشروط الداخلية- المحلية أم في سياق العلاقة بين النظام وحركة حماس؟ فبينما يتجه الوسط إلى "توطين الأخوان" والتأكيد على توجهها الإصلاحي- الاجتماعي، وعلى رفض تغول الجانب السياسي، يقترب التيار الرابع أكثر مع التماهي مع حماس وأجندتها والاوضاع الإقليمية. وترتبط بهذا الخلاف عوامل الاستقطاب الأخرى بين الاتجاهين كالأصول الاجتماعية والموقف من السياسات الحكومية..الخ.

بعيداً عن الاختلافات وحالة الاستقطاب بين الاتجاهات الأخوانية المختلفة؛ فإنّ الخطاب الفكري والسياسي للأخوان الأردنيين،على العموم، يتسم بصبغة الشعارات والعموميات بعيداً عن تقديم حلول وبرامج واقعية، وهنالك ضحالة في الخطاب الاخواني تجاه المشكلات الاقتصادية، ويميل الأخوان إلى الطابع المحافظ في الفقه والأحكام الشرعية وغلبة النزعة السلفية، ويتخوفون من الرؤى الفقهية الجديدة، وكان علماء الأخوان في الأردن هم من أول من رد على رؤى الترابي الفقهية الجديدة ورفضوها.

كما أن هنالك فقراً كبيراً في التنظير الفقهي والفكري لدى الأخوان، وقلة في الكتابات التي تمثل قفزة حقيقية في مجال الفكر السياسي الإسلامي، كما هو الحال لدى حزب العدالة والتنمية المغربي، الذي يمتلك نخبة من الفقهاء والمفكرين والعلماء القادرين على إحداث قفزات فقهية وفكرية كبيرة كأحمد الريسوني ومحمد يتيم وأمينه العام سعدالدين العثماني، بينما لا تكاد تعثر في أدبيات الأخوان الأردنيين إلا على كتاب د. رحيل غرايبة "الحقوق والحريات السياسية في الشريعة الإسلامية" يمثل تأصيلاً فقهياً وفكرياً حقيقياً.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق