التعذيب: هل من احتمالات أسوأ؟

تم نشره في السبت 21 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

 يبدو ان التعذيب الذي حظرته القوانين الدولية قد عاد إلى الانتشار في كثير من اقطار العالم! والاسوأ من ذلك ان ما يقارب ثلث سكان العالم لا يعارضون التعذيب ضد المشبوهين بالارهاب في حالات معينة، كما افاد استطلاع للرأي اجرته هيئة الاذاعة البريطانية (BBC) قبل أيام. وفي اسرائيل تحديدا، عبر اكثر من نصف الاسرائيليين عن قبولهم التعذيب "لاستخلاص معلومات من الارهابيين"، بينما عارضته أكثرية المسلمين.

وبالرغم من ان الاكثرية في العالم، باستثناء اسرائيل، تعارض التعذيب، الا ان نسبة من يقبلون به ما تزال مرتفعة(وتتراوح بين الربع والثلث) بالنظر إلى وحشية وقسوة ولاانسانية هذه الممارسة المحظورة دوليا من جهة، وبالنظر إلى عدم جدوى ممارستها من جهة أخرى؛ إذ لا تنتج بالضرورة معلومات صحيحة ومفيدة، بقدر ما يرغم الضحية على الإدلاء بأي معلومات تحت وطأة الالم والذل والمعاناة.

والتفسير الوحيد لارتفاع نسبة القابلين بالتعذيب هو ربط ممارسة التعذيب بالارهاب الذي بات مصدر القلق الرئيس لمعظم بلدان العالم. ولذلك، فليس من المستغرب ان تكون نسبة التسامح في التعدي على حق وانسانية الانسان اعلى مما لو كان الامر يتعلق بالجرائم العادية الاخرى. لكن يظل السؤال: هل يجدي التعذيب في الكشف عن الارهاب المبيّت؟ والجواب قطعا لا!

تخوض الحرب على الارهاب معارك يائسة، تزداد يأسا وضراوة كلما عجزت هذه الحرب المعلنة منذ ما بعد احداث الحادي عشر من ايلول 2001 عن تحقيق اي من اهدافها. فكل الادلة والتقارير والتقديرات تشير الى ان الارهاب يتوسع انتشارا، ويزداد ضراوة، ويكبر حجما منذ أن بدأت الحرب عليه. والحرب الاستخباراتية التي هي الاهم لم تحقق النجاح المنتظر أيضا. ولذلك، فإن اللجوء الى اساليب التعذيب البدني والنفسي، كما حدث في سجن ابوغريب بالعراق والسجون السرية وسجن غوانتانامو بكوبا، هو جزء من استراتيجية اليأس الساعية إلى الحصول على أي معلومات وبأي ثمن. ويبدو ان الفشل، بما في ذلك عدم جدوى التعذيب في الكشف عن الخفايا، لم يؤد الى القناعة الكافية بالاقلاع عن هذه الممارسات.

لقد مورس التعذيب في الازمنة القديمة في المحاكم المدنية والدينية علنا، وكان يعتبر احد وسائل استخلاص الاعترافات. وقد مورس بقسوة لا يمكن تصورها من حيث بشاعتها وانفصامها عن اي حسن انساني. وعرّف التعذيب على انه ايقاع الألم لكسر ارادة الضحية، دون ان يقتصر الامر على الألم البدني، بل يتعدى ذلك إلى ايقاع الألم النفسي. وقد استخدم التعذيب ايضا لغايات الانتقام وايقاع العقوبة والاستمتاع السادي، او لاستخلاص اعترافات كاذبة لغايات الدعاية او للاغراض السياسية.

وقد صنعت آلات خاصة للتعذيب، نرى الكثير منها في المتاحف. كما استخدمت اساليب مغرقة في قسوتها وبشاعتها. وفي عهد الامبراطورية الرومانية، لم تكن شهادة العبد مقبولة الا اذا انتزعت منه نتيجة التعذيب، وفق الافتراض بأن العبد لا يكشف الحقيقة طوعا. وفي اوروبا العصور الوسطى وما قبلها، اعتبر التعذيب وسيلة مشروعة لتحقيق العدالة، ومارسته المحاكم بدون مواراة.

لكن التعذيب، وكغيره من الممارسات التي تجاوزها الزمن، واسقطها التطور الحضاري والدراية المتقدمة بقيمة الانسان وحقوقه وانسانيته، حُظر دوليا بموجب ميثاق الامم المتحدة ضد التعذيب U.N.Convention Against Torture الذي اصبح نافذا في حزيران العام 1987.

ولا يعني هذا ان التعذيب ظل دارجا حتى ذلك التاريخ، بل الحقيقة ان معظم دول العالم اقلعت عن هذه الممارسات البشعة، وحظرتها قوانينها الوطنية واعرافها وتقاليدها، كما حظرها المنطق وحرّمتها الاديان المساوية. وكذلك حظرها الميثاق العالمي لحقوق الانسان ضمنا منذ العام 1948.

يقول الحكماء ان التعذيب لا يستخلص أي معلومات استخباراتية نافعة، لان قويّ الارادة لا يبوح بشيء حتى لو مات تحت التعذيب، اما ضعيف الارادة فيقول اي شيء ليتحاشى الألم، وفي الحالين تبقى الحقيقة المنشودة مدفونة.

وللتعذيب، البدني او النفسي، عواقب لا يمكن حصرها، من حيث ان يثخن الجراح النفسية، ويعمّق الحقد، وفي النتيجة يقوّي الارادة الضعيفة، ويربي الرغبة في الانتقام بأساليب لا تقل قسوة وضراوة.

اما الافتراض بأن التعذيب يستخلص من المعلومات ما ينقذ حياة الآخرين، فهو افتراض خاطئ من اساسه ايضا؛ كونه يحكم مسبقا بأن ضحية التعذيب يملك هذه المعلومات، وان التعذيب سيدفعه إلى البوح بها، فماذا لو كانت هذه الضحية لا تملك من تلك المعلومات شيئا؟

صحيح ان الذعر الذي يستبد ببعض شعوب ودول العالم من خطر انتشار الارهاب يوهم هؤلاء بأن استباحة التعذيب قد تدفع بعض هذا الخطر، لكن الحقيقة أن هذا خطأ جسيم؛ فما التعذيب الا وسيلة اليائس، المؤدية لعواقب ونتائج عكسية.

وهناك مع الأسف من الكتاب ومبرري الحروب من يسعون إلى تسويغ التعذيب وغيره من الاعتداءات على حقوق الانسان، خاصة اذا كان هذا الانسان المستهدف من جنسيات او اديان او بلدان معينة. وتلك النظرة هي اخطر من ابشع انواع التعذيب، لانه إضافة إلى انتهاك حقوق الانسان، فإنها تنطوي على جريمة العنصرية والتعالي التي لا مكان ولا يجب ان يكون لها مكان في هذا الزمن.

نحن نعيش عصر انهيار القيم والقوانين، والامل هو ان يمر هذا العصر بسرعة، فتعود للشرعية والاخلاق والقوانين قوتها وعافيتها. والى ان يتحقق ذلك، علينا ان نعد انفسنا لمواجهة احتمالات أسوأ.

سفير الأردن السابق لدى الأمم المتحدة

التعليق