د.باسم الطويسي

الدول العربية المستقلة

تم نشره في الأحد 8 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

تذكر أدبيات انشاء جامعة الدول العربية ان الأعضاء المؤسسين في ذلك الزمن أصروا بعد مناقشات مطولة على ان يحمل مسمى الكيان السياسي التنظيمي الذي سيجمعهم إشارة واضحة إلى دول مستقلة ذات سيادة لا تتنازل عن أي جزء من هذه الاستقلالية للكيان التنظيمي الجديد. وجاء مسمى المنظمة الإقليمية "جامعة الدول العربية " وتكررت ذات الوصفة في انشاء مجالس وتجمعات إقليمية عربية اخرى. ما يعني مدى ثقل فكرة الاستقلالية في التفاعلات الإقليمية العربية- العربية حتى التفاعلات التعاونية منها، مقابل ضعف هذه الفكرة وتراجعها حينما يظهر على المسرح فاعل قيادي دولي أو إقليمي من خارج المنظومة العربية.

 يبدو ان اجتماع الوزيرة الاميركية الأسبوع الماضي بوزراء دول ما أصبح يعرف بمجموعة (6+2) أو دول الاعتدال العربي، وجولتها المكملة خلال الأيام القادمة وزيارة الرئيس الأميركي المتوقعة في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم للشرق الأوسط قد  جسدت الإطار الجماعي المطلوب لنمط قائم وخط سياسي واضح تنتهجه هذه الدول منذ سنوات طويل.

ولم تأت التفاعلات الجديدة والمنتظرة بأكثر من وضع الإطار الإعلامي على الدول الفاعلة في هذا الخط السياسي، ولم تخترع ما يسمى الاعتدال العربي من جديد، فبعض هذه الدول قامت علاقاتها الدولية منذ عقود طويلة على نمط لم يتغير من التحالفات مع الغرب وفي المقدمة الولايات المتحدة، ولا يمكن قراءة هذا الإطار المنتظر في ضوء اتساع دائرة الفاعلين في الجهة المقابلة التي توصف بالمتشددة والتي تقودها إيران على أهمية ذلك الكبيرة. فثمة مصالح متجددة ستظهر قريبا وربما تصل إلى حدوث مناقلات بين الجبهتين.

لو نظرنا من منظور الحقب التاريخية الطويلة؛ أي بعيدا عن السياسة اليومية ومن زوايا عالمية متعددة لا نجد ما يعيب على احد خياراته السياسية والاستراتيجية ما دامت تخدم مصالحه الوطنية. وفكرة السياسة الدولية قائمة في الأصل على مبدأ التحالفات والمحاور التاريخية وفي بعض المراحل تبدو ظاهرة تقاطع المحاور ظاهرة صحية ومفيدة على المدى الطويل، وفي أكثر من حقبة أسهمت في حفظ الأمن والسلام الدوليين، ومنعت تغول بعض الأنظمة السياسية وسمحت للدول والكيانات الصغيرة من البقاء على قيد الحياة.

المشكلة ان المنطقة العربية وطوال أكثر من خمسة عقود مضت لم تسهم في بناء محاور أو تحالفات سياسية حقيقية، وجزء من ذلك يعود إلى ذهنية الهيمنة الدولية والجزء الأكبر يعود إلى فقر الذهنية السياسية والاستراتيجية العربية، الأمر الذي لم ينقل التحالف من مستوى التبعية إلى مستوى الشراكة؛ حدث ذلك في جهات متعددة من العالم وفي مستعمرات قديمة لدول كبرى، ويكفي ان نراجع التواريخ المعاصرة للقوى الآسيوية الصاعدة وخبراتها الاستعمارية بالمقارنة مع نمط تفاعلاتها السياسية والاقتصادية مع القوى الكبرى في العالم.

 الدول العربية التي أخذت تمنح تحالفاتها مع الولايات المتحدة صفة جماعية أمامها مهمة ليست سهلة، وعليها ان تتحمل آلاما موجعة إذا ارادت ان تثبت لمواطنيها انها دول ذات سيادة ومستقلة، وملخص تلك المهمة ان تحول علاقاتها التحالفية مع الولايات المتحدة إلى علاقات شراكة حقيقية يحسب من خلالها الحساب الحقيقي لمصالح شعوب المنطقة، وتقوم على أساس التبادل المتوازن للمصالح، والاعتراف الواضح من قبل الحليف القوي بان لهذه المجتمعات حقوقها ومصالحها التي آن الأوان لاحترامها.

نتذكر الضغوط التي مارستها السعودية على إدارة الرئيس بيل كلينتون في نهاية التسعينيات في ملف التسوية السياسية، وكادت ان تصل تلك الضغوط إلى نتائج في بعض المسارات، إلا انها انتكست وتعرضت فيما بعد السعودية وبعدها المنطقة بأكملها إلى حملة استعداء شرسة داخل الولايات المتحدة، والذي لم ينتبه اليه الكثيرون ان جزءا من الحملات التي تعرضت لها السعودية كان على خلفية الضغوطات التي مارستها في حقبة ما قبل أحداث أيلول 2001.

لا توجد في عالم اليوم دول مستقلة بالمعنى الكامل، وفي الشرق الأوسط لا توجد هذه الدول بالمعنى النسبي للكلمة، وفي جبهة الاعتدال العربي ما تزال بعض الدول تفتقد لمفهوم الاستقلال التقليدي وهي تحتضن قواعد عسكرية أجنبية ومقرات قيادات عالمية، الأمر الذي يضفي المزيد من الصعوبة على المهمة المطلوبة لكنها تبقى غير مستحيلة.

[email protected]

التعليق