د.باسم الطويسي

بوش في الشرق الأوسط القديم

تم نشره في الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

يبدو ان زيارة وزيرة الخارجية الاميركية هذا الأسبوع إلى الشرق الأوسط، وهي الأولى بعد شهرين على سلسلة الزيارات التي أطلقت خلالها أطروحتها الشهيرة حول ولادة الشرق الأوسط الجديد، تهيئ المناخ لزيارة مرتقبة وربما تكون الأخيرة للرئيس الأميركي جورج بوش للشرق الأوسط، حسب معلومات رددتها مصادر أميركية وشرق اوسطية، وعنوانها المعلن تحريك مسارات التسوية السياسية المعطلة منذ سنوات عديدة.

من الواضح ان توقيت هذه الزيارات يخدم الاستحقاقات الانتخابية الاميركية النصفية والرئاسية القادمة، ويشير إلى إدراك العقل السياسي الأميركي، ولو متأخراً بأن الاشتباك الصراعي الذي أوجدته الاستراتيجيات والسياسات الاميركية في الشرق الأوسط أصبح شأناً محلياً أميركيا بامتياز، ولم يعد سياسة خارجية يتعفف الرأي العام الأميركي عن الانقسام حولها، ولا تحسب الادارات دور البعد الداخلي فيها، الأمر الذي قد ينقل المعركة إلى الجبهة الداخلية بين لحظة وأخرى. بل أصبحت ملفات الشرق الأوسط هذه الأيام هي العامل الأساسي في تحديد شعبية الرئيس واتجاهات الرأي العام الأميركي حول سياساته وبرامجه.

الأيام القليلة القادمة ستشهد تسخيناً بدرجة حرارة ملفات التسوية السياسية مع إسرائيل، على أكثر من محور، وسيتم تسويق هذا الزيارة باعتبارها خلاصة الإرادة الاميركية في تحريك ملف التسوية السياسية، بينما تمتلئ حقائب الرئيس بملفات اخرى حاسمة يتطلب بعضها صفقات سريعة وأخرى مقايضات وثالثة املاءات محددة.

فالإدارة الاميركية بحاجة ماسة خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي إلى إنجازات سياسية استراتيجية، كما هي حاجة الولايات المتحدة وعلى أكثر تقدير قبل نهاية العام، وذلك في أكثر من ملف وجميعها في الشرق الأوسط. وبزيارة بوش المرتقبة أو من دونها الإدارة تحتاج هذه المرة إلى إنجاز سياسي وأمني في العراق بأسرع وقت ممكن، بعد الحالة التي أفضى اليها التقرير الذي صاغته (16) وكالة أمنية أميركية حول الإرهاب والحرب على العراق، وهي بحاجة إلى إنجاز على صعيد الملف النووي الإيراني بعد ان استنفذت كل فرص الحوار من وجهة النظر الغربية، وهي أيضا بحاجة اصطفاف إقليمي لمواجهة محتملة في السودان بعد الفشل المتتالي لدبلوماسية الصراخ والصوت العالي حسب رأي الأمين العام المساعد للأمم المتحدة. أما البحيرة الشرق الأوسطية الراكدة فالمطلوب أميركيا مجرد تحريك التسوية السياسية سواء جرت جولة الرئيس الأميركي المتوقعة إلى المنطقة قبيل الانتخابات النصفية أو غداتها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

بقيت السياسة الاميركية حيال ملف التسوية على مدى العقود الماضية توصف بتوفر القدرة وغياب الإرادة على القيام بدور حاسم، لم تتغير عناصر هذه السياسة، الذي تغير هو أوضاع الفاعلين السياسيين في المنطقة من دون ان تتغير قواعد إدارة التفاعلات الإقليمية. ففي الوقت الذي ما زال المجتمع السياسي الفلسطيني فيه عاجزاً عن بلورة رؤية وطنية مستقلة ومشتركة لآليات تقرير المصير قفز حزب الله فوق سورية وبات يطرح نفسه عربيا لدور كان مناطا بسورية على مدى عقود.

وفي الوقت الذي تتردد فيه مواقف وزراء إسرائيليين مطالبة بتجاوز الموافقة الاميركية والعودة إلى ملف المفاوضات مع سورية تمضي إسرائيل قدماً في فرض حلها الأحادي، ويدخل على خط الحرب والتسوية فاعلون إقليميون جدد والجميع يعلقون مصائرهم على أفعال أو ردود أفعال قادمة عبر الأطلسي.

يعود الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط القديم؛ وكأن لا شيء يتغير في هذا المكان من العالم، سوى المزيد من الاحتلالات والمزيد من الحروب والاقتتال والفوضى والهيمنة، ونحو ربع مليون جندي أمبركي في المنطقة يحرسون لعبة التضليل والتوسع الاستعماري الجديد، بينما لا تزال أطول لعبة مفاوضات في التاريخ عمرها زهاء ثلاثة عقود تغيب وتعود ولا احد يريد ان يدفنها، ودائما تنتظر مجرد التحريك.

الرسالة الحقيقية التي يجب أن تحملها الوزيرة الاميركية والتي على أساسها ترتب لزيارة رئيسها القادمة بأنه آن الوقت لنهاية زمن التحريك.

[email protected]  

التعليق