العقلية الروسية ومعسكرات العمل القسري

تم نشره في الاثنين 4 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

منذ خمسة عشر عاماً، وبالتحديد في شهر آب من العام 1991 وقع انقلاب فاشل ضد ميخائيل جورباتشوف. آنذاك كان المتشددون السوفييت ينظرون إلى سياسات إعادة الهيكلة والمكاشفة (Perestroika and glasnost) باعتبارها خيانة للشيوعية لمصلحة الغرب الرأسمالي. ولكن بات من الواضح اليوم أن الانقلاب الذي قامت به هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي السوفييتية (KGB) بمشاركة القوات المسلحة لم يكن دفاعاً عن فكرة الشيوعية، بل كان الهدف منه ببساطة حماية فكرة المهمة الإمبراطورية الروسية، وهي الفكرة التي منحت مفوضي الكرملين قدراً من الهيمنة على الإمبراطورية الروسية الشاسعة والدول المجاورة لها لم يكن يحلم به أي من قياصرة الماضي.

الحقيقة أن إصلاحات جورباتشوف لم تكتف بتحرير المواطن الروسي العادي من القيود التي كانت تفرضها عليه اللينينية الماركسية، بل لقد أطلقت أيضاً العنان للطموحات الوطنية للشعب الروسي الذي ظل حبيس الإمبراطورية لقرون من الزمان. وحين رأت جمهوريات الاتحاد السوفييتي قبل ذلك بعامين فقط كيف تحررت شعوب وسط آسيا من الهيمنة السوفييتية بدأت في بذل الجهود الحثيثة سعياً إلى تخليص وتحرير نفسها من تلك الهيمنة.

كانت جمهوريات البلطيق، استونيا ولاتفيا ولتوانيا، أول الدول التي أصرت على متابعة المسار الوطني الذي اختارته لنفسها، فربطت مصائرها منذ ذلك الوقت بأوروبا كدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي. ثم أعقبتها دول أخرى. وبحلول شهر ديسمبر/كانون الأول من العام 1991، لم يعد للاتحاد السوفييتي وجود.

لكن النجاح لم يكتب إلا لدول البلطيق في تأمين ذلك النوع من الاستقلال الذي حلمت به في العام 1991. فما زالت جورجيا الأوروبية الآسيوية تتأرجح على حافة عدم الاستقرار. أما أوزباكستان وتركمنستان الآسيويتان تقليدياً فقد عادتا إلى ذلك الشكل القبلي من أشكال الاستبداد وحكم الفرد الذي ظلتا تمارسانه لقرون من الزمان. كما تحولت أذربيجان وكازاخستان في الأساس إلى أملاك خاصة لعائلتي رئيسي الدولتين.

ربما كان انفصال أوكرانيا عن روسيا هو الأكثر إيلاماً بالنسبة لهؤلاء الذين يأخذهم الحنين إلى الهيمنة الإمبراطورية في الكرملين، وبالنسبة لأفراد الشعب العاديين الذين يرون في أوكرانيا نبعاً للحضارة الروسية. ولقد أثبتت ثورة 2004البرتقالية التي أسقطت الانتخابات الرئاسية بعد التلاعب بنتائجها أن أوكرانيا لم تعد "روسيا مصغرة"، أو بمثابة أخ سلافي تابع أصغر. والحقيقة أن تلك الثورة السلمية التي تزعمها فيكتور يوشتشينكو ويوليا تيموشينكو ذكرتنا بمدى استنارة الاتحاد الذي كان بين كييف ونوفجورود في الماضي قبل إجباره على الخضوع لأمراء موسكو المستبدين.

فبعد مرور عامين على قيام الثورة البرتقالية، بادر يوشتشينكو (رجل السياسة الذي بات يبدو وكأنه بعيد كل البعد عن مجال خبرته) إلى قبول فيكتور يانوكوفيتش رجل الكرملين، والخصم الذي نجح في قهره في العام 2004، كرئيس وزراء جديد له. إلا أن الحركة البرتقالية - التي تتولى قيادتها الآن يوليا تيموشينكو شريكة يوشتشينكو ورئيسة وزرائه السابقة- لم تضل الطريق تماماً، وما زالت تسعى إلى الحفاظ على أوكرانيا دولة مستقلة وحرة حقاً. أما "روسيا المصغرة"، فما زالت في نظر أكثرية الشعب الأوكراني شيئاً من الماضي.

على الرغم من كل هذه التغييرات المصيرية إلا أن الروس لا يستطيعون قبول خسارتهم لدورهم الإمبراطوري. لقد تحول حلم الإمبراطورية إلى معسكر عمل قسري يسجن العقلية الروسية. فالروس لا ينظرون إلى توجهات أوروبا فيما يتصل بحدود روسيا باعتبارها إشارة إلى أنهم بعد طول انتظار قد توحدوا أخيراً مع الحضارة التي يشكلون جزءاً منها، بل باعتبارها مصدراً لعدم الأمان.

إن الأمر أكبر من مجرد حنين. ففي سنوات الفوضى التي سادت أثناء حكم يلتسين، ربما كان من المفهوم أن يندم الشعب الروسي على خسارته لمكانة بلاده كقوة عظمى. وكان لابد من إلقاء مسؤولية الظروف الاقتصادية الحرجة آنذاك على أي شيء. إلا أن مشاعر الندم اشتدت ولم تهدأ في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتن وعلى الرغم من النمو الاقتصادي النشط الذي تشهده روسيا.

إن الروس يرتدّون إلى الماضي - إلى روسيا العظمى باعتبارها اتحاداً عظيماً فريداً قُـدِر له أن يحكم العالم. وكما كانت الحال قبل قدوم جورباتشوف- الذي كان سبباً في عودة توجهات وميول عمرها قرون من الزمان- ما زال الروس يعتقدون أن الناس لابد وأن يكونوا على استعداد للتنازل عن حرياتهم في سبيل عظمة الدولة، التي تخرج من الحروب مظفرة والتي تطلق صواريخ سبوتنيك إلى الفضاء. بل وهناك من يخشون أن تؤدي حرية الصحافة، وحرية التعبير، والانتخابات الحرة إلى تضاؤل القوة الوحشية المطلوبة لكي تتمكن روسيا من تأكيد ذاتها.

لقد ظل الروس يتفاخرون طويلاً بالأشكال المتعددة للعظمة التي تحيط بهم: في البداية كانت الروح الروسية المقدسة التي تتفوق بوضوح على النظرة العملية في الغرب. وفي القرن الخامس عشر أعلِـنَت روسيا "روما الثالثة" المخلصة الروحانية للمسيحية. وأتى القرن السابع عشر ليدمج بين هذه المهمة الروحانية وبين التوسع الإمبراطوري الذي اشتمل في النهاية على كتلة من الأرض تتجاوز عشرة أمثال مساحة روسيا. وفي أوائل القرن العشرين أصبحت المهمتان الإمبراطورية والروحانية كلاً واحداً لا يتجزأ بعد أن تحولت روسيا إلى معقل للشيوعية العالمية.

إلا أن كل هذه الأشكال من العظمة فرضت على الروسي العادي أن يتقبل الحط من قدره واستعباده. ولم يعد يُـنْـظَر إلى التنمية باعتبارها وسيلة لتحسين حياة الناس، بل كأداة تتقوى بها روسيا لكي تصبح متفوقة على كل من عداها. وعلى هذا فإن الإنجازات المادية للتنمية الروسية دائماً ما تأتي ومعها إحصاءات للخسائر البشرية. فقد أسفرت التحولات الصناعية في عهد جوزيف ستالين عن ملايين القتلى - رغم أنها أصبحت في غضون ثلاثين عاماً فقط تشكل توجهاً عتيقاً.

الحقيقة أن روسيا في ظل حكم بوتن لا ترغب في القتل الشامل، إلا أنها ما زالت تعيش عقدة "التفوق". بطبيعة الحال لن نرى بين أهل النخبة في روسيا من يشكو من ارتفاع فواتير المطاعم، ولن يكتفي أي منهم أبداً بعدد الحراس الشخصيين الذين ينتظرونه في الخارج. وعلى نطاق أكبر من هذا، سنجد أن روسيا قد تحولت إلى قوة عظمى فيما يتصل بإنتاج الطاقة، ولكن يبدو أن هذه القوة مؤقتة، حيث الاستثمارات المبذولة لصيانة وتحسين حقول النفط والغاز ضئيلة للغاية. فالمهم الآن هو بيع المخزون الاحتياطي وإصابة الثراء الفاحش.

إذاً فكما كانت الحال دوماً، تتلخص مشكلة روسيا في أن الدولة تنمو لكن المجتمع لا ينمو. فالدولة تضحي برفاهية الناس ورخائهم في سبيل رفاهيتها. ويظل حلم روسيا العظمى يشكل معسكر عمل قسري للعقلية الروسية.

نينا خروشتشيفا تتولى تدريس الشؤون الدولية بجامعة New School.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق