أوروبا تعبر خط اللارجعة

تم نشره في الأحد 3 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

حتى الآن، كانت "سياسة الجوار الأوروبي" المزعومة تثير الاهتمام. فلقد كَـثُر الحديث حولها في الاتحاد الأوروبي، لكن تأثيرها العملي كان ضئيلاً. كان المفترض في هذه السياسة أن تكون بديلاً للعدد المتزايد من جولات التوسعة، والتي تتضمن دول جنوب القوقاز على سبيل المثال. لكن الحرب في لبنان، وما ترتب عليها من عواقب، تسببت في تغيير جوهري مفاجئ في المسار المتروي نحو تنفيذ هذه السياسة.

لقد خدمت حرب لبنان كوسيلة قاسية لتذكير الاتحاد الأوروبي بما لديه من "مصالح إستراتيجية" - أمنية في المقام الأول والأخير- وبأنه إذا اختار أن يتجاهل هذه المصالح، فإن الثمن الذي سيتكبده سوف يكون باهظاً. فضلاً عن ذلك، فإن تقسيم العمل بين الولايات المتحدة وأوروبا لم يعد يؤدي وظيفته المطلوبة بأسلوب إثبات الفعالية على الأمد البعيد كما كان مألوفاً: فالحرب المستمرة في العراق تلتهم القدرات العسكرية الأميركية بعد أن أسفرت عن أزمة نالت من الشرعية الأخلاقية والسياسة للولايات المتحدة في أنحاء العالمين العربي والإسلامي كافة.

لكن بعد قرار الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بإرسال عدة آلاف من الجنود إلى لبنان للمساعدة في تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 1701 والذي يقضي بوقف إطلاق النار هناك، يكون الاتحاد الأوروبي قد اتخذ واحدة من أهم خطواته في إطار سياسة الجوار. ولكن تُـرى هل يستطيع الاتحاد الأوروبي حقاً أن يبرز باعتباره قوة سياسية داعمة للاستقرار في أخطر مناطق الصراع في الجوار المباشر لأوروبا جغرافياً وسياسياً؟

بعد حروب البلقان التي شهدتها فترة التسعينيات، سرعان ما أصبح الشرق الأدنى والأوسط يشكلان المنطقة المجاورة الأكثر خطورة وأيضاً - نظراً للاعتبارات الأمنية- الأكثر أهمية للاتحاد الأوروبي اليوم. ولكن لماذا؟ السبب أن التهديدات الرئيسية للأمن الأوروبي كانت تنبع دوماً من هذه المنطقة منذ بداية القرن الواحد والعشرين. والتهديدات المتركزة في الشرق الأوسط تتسم بقدر كبير من التنوع: الصراعات الإقليمية، والإيديولوجيات الدينية الاستبدادية، والإرهاب، وبرامج التسليح النووي، والمعوقات أمام التحديث، والأنظمة الحاكمة غير المستقرة، وطموحات الهيمنة.

وإذا ما سألنا أنفسنا عن مصالح الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في هذه المنطقة التي تحيط بها الأزمات من كل جانب، فالإجابة تتلخص في أن المصالح الأوروبية المتعلقة بمسائل الطاقة والاقتصاد أصبحت عرضة للخطر، بلا أدنى شك، هذا فضلاً عن المصالح الحيوية لشركاء أوروبا وحلفائها (إسرائيل على وجه الخصوص). لكننا سنجد أن أهم تلك المصالح وأكثرها أولوية هي أوروبية في المقام الأول والأخير. إن التطورات الجارية في الشرق الأوسط سوف تحدد حجم الخطر الذي سيتعرض له الأمن الأوروبي، بل وربما تعين التحديات المحتملة التي ستواجه أوروبا. والحقيقة أن النجاح في احتواء، أو حل، الصراع هناك سوف تترتب عليه عواقب شديدة الإيجابية فيما يتعلق بأمن أوروبا.

نستطيع أن نحدد معالم الشرق الأوسط اليوم من خلال ثلاثة صراعات رئيسية: الصراع العربي الإسرائيلي، ومشكلة العراق، وأزمة إيران. والحقيقة أن اقتران البرنامج النووي الإيراني (وطموحات الهيمنة الإيرانية) بالموقف في العراق وبوجود حزب الله في لبنان من شأنه أن يقودنا إلى "شرق أوسط جديد" قادر على إثارة مواجهة كبرى. ولن تقتصر هذه المواجهة على القوى الفاعلة الإقليمية فحسب، ولن تتوقف عند حدود الصراعات المعتادة في المنطقة. لقد أثبتت الحرب في لبنان على نحو شديد الوضوح مدى التقدم الذي بلغته هذه العملية الخطيرة بالفعل.

إن المهمة في لبنان تشتمل على قدر كبير من المجازفة بالنسبة لقوات الأمم المتحدة، وبالنسبة لأوروبا بصورة خاصة. فالحرب لم تسفر عن قرار حقيقي. كما أن حزب الله وسورية، ناهيك عن إيران، لن تتحقق لأي منهما أية مصلحة بنجاح مهمة الأمم المتحدة. ويقضي قرار مجلس الأمن - بالإضافة إلى الفصل بين القوات المتحاربة- بفرض السيادة الداخلية والخارجية للحكومة اللبنانية المنتخبة، من دون أن يحدد كيف سيتم تحقيق هذه الغاية على الرغم من القوة السياسية التي اكتسبها حزب الله، وعلى الرغم من تفوقه عسكرياً على القوات اللبنانية.

إن أية محاولة من جانب قوات الأمم المتحدة لنزع سلاح حزب الله سوف تعني الدخول في حرب مع حزب الله (ومع سورية وإيران في الخلفية)، وهي مهمة لا تستطيع قوات الأمم المتحدة إنجازها. ولكن اكتفاء الأمم المتحدة وأوروبا بدور المراقب في لبنان من شأنه أن يؤدي إلى إفقادهما كل المصداقية. فضلاً عن ذلك فمن المرجح في غضون أشهر قليلة أن يجد جنود الأمم المتحدة أنفسهم وقد وقعوا مرة أخرى بين خطوط إطلاق النار للأطراف المتحاربة. وعلى هذا فلسوف يكون لزاماً على تلك المهمة أن تمشي على خيط رفيع ومحفوف بالخطر سعياً إلى تحقيق غايتها الشاقة والتي تتلخص في إعادة الاستقرار إلى البلاد. والفشل في أداء هذه المهمة سوف يشكل خطراً متصاعداً، وسوف يؤدي إلى تفاقم المجازفة العسكرية. إلا أنه في ظل الموقف الحالي هناك، لا يوجد بديل أفضل.

في ضوء المجازفة المفروضة على قواتها فلسوف يصبح لزاماً على أوروبا أن تمارس نفوذها وأن تعمل إيجابياً على إحداث تغييرات إستراتيجية في البيئة السياسية للشرق الأوسط بالكامل. وإن الاتحاد الأوروبي بموافقته على المهمة في لبنان، يكون قد عبر خط اللارجعة على الصعيد العسكري. وأصبح من الضروري الآن أن يدعم ثقله المتنامي في الشرق الأوسط من خلال المبادرة السياسية. ولابد وأن يتضمن هذا ثلاثة عناصر رئيسية: التوصل إلى حل مع سورية عن طريق المفاوضات؛ واستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين؛ والتوصل إلى تفهم إستراتيجي مشترك مع الولايات المتحدة بشأن الإستراتيجية السياسية التي يتعين على الغرب أن يتبناها فيما يتصل بالمنطقة (ولابد وأن تتعامل هذه الإستراتيجية مع الصراع الأكثر خطورة في المنطقة، والخاص بالمسألة الإيرانية). ولسوف يشكل هذا التفهم المشترك التحدي المحوري فيما يتعلق بمستقبل العلاقات بين ضفتي الأطلنسي.

إن المخاطر التي ستتعرض لها أوروبا وقواتها في لبنان لن تكون بسيطة، لكن الأمر يرتبط بمصالح حيوية أوروبية. ذلك أن حالة الحرب والفوضى في الشرق الأوسط، أو مجرد الخواء الأخلاقي أو السياسي في المنطقة، سوف تؤثر بشكل مباشر على أمن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء كافة. لذا فقد كان لزاماً على أوروبا أن تتحرك، على الرغم من الصعوبة الواضحة التي تمثلت في اتخاذ القرار. والتساؤل الأساسي في المستقبل القريب سوف يكون ما إذا كانت أوروبا تمتلك حقاً القدرات السياسية والعسكرية، والقوة السياسية الداعمة، والرغبة المشتركة في العمل بما يتفق ومصالحها الأساسية في الشرق الأوسط. سوف نرى. ولكن على أية حال نستطيع بالفعل أن نجزم بأمر واحد: مرحباً بأوروبا في العالم الحقيقي.

يوشكا فيشر زعيم حزب الخضر لما يقرب من عشرين عاماً، وكان وزيراً لخارجية ألمانيا ونائباً لمستشارها في الفترة من 1998 إلى 2005.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/ معهد العلوم الإنسانية.

التعليق