نحو اتفاقية دولية لمناهضة حالات الاختفاء القسري

تم نشره في الخميس 31 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

إن الشعور بعدم التيقن من أصعب المشاعر التي يمكن للإنسان تحملها؛ إذ لا ينجح مرور الوقت في تخفيف ما يشوب الإنسان من غضب وكرب. وبقدوم يوم 30 آب، وهو اليوم العالمي للمفقودين، نتذكر أولئك الذين خطفوا، وأولئك المحتجزين في مراكز سرية، كما أولئك الذين عذبوا، وفي بعض الحالات قتلوا! وننظر بعين الإعجاب والتقدير إلى شجاعة العائلات التي عانت من ظلمة الجهل بمصير أحبائها. فدعونا ننتهز هذه الفرصة لنتدبر سويا كيف يمكن أن نمنع تكرار حالات الاختفاء القسري في المستقبل.

يجرّم القانون الدولي لحقوق الإنسان الاختفاء القسري، كما يجرمه القانون الدولي الإنساني أيضا في حال ارتكابه أثناء الحرب. فالاختفاء يساوي في قسوته محو الوجود الإنساني للأشخاص، وحرمانهم، رجالا أو نساء، من الحماية الأساسية التي يكفلها القانون لكل رجل وامرأة، مذنبين كانوا أم غير مذنبين. والاختفاء القسري انتهاك لا لحقوق هؤلاء الأشخاص فحسب، بل أيضا لحقوق عائلاتهم؛ فما يعود عليها من ضرر يمتد ويدوم طويلا. وعلى العكس ممن تيقنوا من فقدان أحبائهم، تستمر عائلات المختفين في التمسك بالأمل على الرغم من انعدام ما يدعو إلى ذلك، فيمتد الضرر ليطول لا الأفراد فحسب، بل أيضا المجتمعات التي يعيشون فيها.

وللأسف، فإن عمليات الخطف التي تقوم بها الدولة أو التي تتم بإيعاز أو دعم منها، واحتجاز الأشخاص في أماكن سرية، وكذلك أعمال القتل خارج نطاق القانون، كلها ليست جديدة علينا؛ فلطالما ارتكبت هذه الجرائم مرارا وتكرارا في كل قارات الدنيا على امتداد التاريخ، ولم تزل ترتكب في وقتنا هذا.

ووفقا للأمم المتحدة، تفيد التقارير بوقوع 50 ألف حالة اختفاء قسري منذ العام 1980 في ما يزيد على 90 بلدا حول العالم. وفي العام الماضي، طالب الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي الحكومات بالتحقيق في ما يزيد على 550 حالة جديدة. ومع ذلك، لم يحاسب أبدا إلا قليل من مرتكبي هذه الأفعال أو المسؤولين عن ارتكابها.

وقد خلق كل من الإفلات من العقاب، والإخفاق في تحقيق العدالة، مناخا اجتماعيا غير مستقر لا يمكن في ظله الوثوق في المؤسسات. وإذ لا يعاقب على ارتكاب حالات الاختفاء، تستمر ذكرى المفقودين في مطاردة المجتمعات التي تتستر على هذه الأفعال.

لقد دأبت أسر المفقودين في العالم كله على الكفاح لعقود ضد الإفلات من العقاب، وأبقت ذكرى أقاربها حية من خلال المطالبة دوما بإجابات، مع العمل في الوقت ذاته على منع مزيد من حالات الاختفاء في المستقبل، فكانت المطالبة المتزايدة بمعاهدة دولية جزءا من كفاحهم.

وبعد خمسة وعشرين عاما من الحملات التي نظمتها أسر المفقودين، صادق مجلس حقوق الإنسان الجديد التابع للأمم المتحدة في 29 حزيران 2006 على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. وستُسلم هذه الاتفاقية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقرارها من قبل الدول.

تشمل الاتفاقية الجديدة حظرا تاما على حالات الاختفاء القسري، سواء في وقت السلم أو في زمن الحرب. كما تنص على أنه لن يوضع أي شخص بعد الآن بمنأى عن الحماية القانونية. وتلزم الدول بجعل الاختفاء القسري جريمة، والنص على تدابير مثل تسجيل المحتجزين، وحقهم في المحاكمة، والحق في الاتصال بمحاميهم وأسرهم. ومن المهم أيضا أنها تؤسس آلية دولية للإشراف على تطبيق الدول للالتزامات التي تفرضها الاتفاقية، وترسي إجراء يتمثل في المناشدات العاجلة التي يمكن اللجوء إليها عند توقع حدوث حالات من الاختفاء القسري.

قد يقول المتشائمون إنها ليست إلا اتفاقية أخرى، وإنها لن تكفي لمكافحة الاختفاء القسري، لكننا رأينا على مدار السنين كيف أدى التطور الذي طرأ على القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان الدولي إلى آثار إيجابية لم يكن لأحد أن يتخيلها منذ خمسين عاما. ولا شك أن التقنين الصريح لحقوق الأفراد وواجبات الدول يساعد على رسم حدود واضحة بين حكم القانون والأفعال التعسفية.

وتقوم آليات الرقابة الدولية من جانبها بدور مؤثر. ففي الجلسة الأولى لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الجديد، والتي انعقدت في حزيران 2006، أدلت وزيرة خارجية تشيلي، السيدة "بولينا فلوسو" (Paulina Veloso)، والتي اختفى زوجها أثناء "عملية كوندور" العام 1977، بشهادتها، معبرة عن إيمانها بأن الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة من أجل المفقودين، بالإضافة إلى إدانة المجتمع الدولي بوجه عام لحالات الاختفاء، كان لها أثر رادع، ربما أدى إلى خفض هذه الحالات. كما تحدثت السيدة "فلوسو" إلى المجلس قائلة: "إنه في تلك اللحظات من الشعور بالوحدة والقلق، كانت العناية التي قدمتها لي اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمثابة مساندة كبيرة، إذ منحتني القدرة على الحفاظ على ثقتي بالناس وحقوق الإنسان والمجتمع الذي يدافع عنها".

وتحاول اللجنة الدولية للصليب الأحمر، دون كلل، وقف حالات الاختفاء القسري، وترى في الزيارات المتتابعة للمحتجزين، والعمل من أجل إعادة الروابط العائلية والحفاظ عليها، بمثابة ضمانات قوية تحول دون وقوع حالات الاختفاء أثناء النزاعات المسلحة. وفي السنة الماضية، زار مندوبو اللجنة الدولية 2500   مكان احتجاز في نحو 70 بلدا، بحيث استفاد من هذه الزيارات ما يقرب من نصف مليون محتجز. كما تابع مندوبو اللجنة حالة ما يزيد على 46 ألف محتجز سبقت زيارتهم، وتمكنوا من تبادل  نحو 100 ألف رسالة مع أحبائهم.

إن ما تقدمه الأسر من طلبات للحصول على إجابات شافية، وما تبذله من جهود لإحياء ذكرى هؤلاء الأشخاص الذين رحلوا، إنما تستحق الإعجاب والاحترام. كما أن كفاح هذه الأسر الدؤوب لرفع الظلم الذي وقع، والحيلولة دون وقوع مثل هذه الأفعال مرة أخرى في مكان آخر، يستحق دعم المجتمع الدولي وشعوب العالم ككل. ومن شأن هذه الاتفاقية الجديدة إدراج تدابير كافية، نحن في أمس الحاجة إليها، لمنع وقوع حالات الاختفاء القسري في المستقبل. ولذا، يتعين التعجيل في اعتماد الاتفاقية من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتصديق عليها من جانب أكبر عدد من الدول.

مدير القسم القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر بجنيف

التعليق