ياسر أبو هلالة

من رحم المجازر لا يولد سلام

تم نشره في الجمعة 11 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

الجهد الدولي المحموم في أحسن أحواله سيتمخض عن هدنة هشة قيد الانفجار. ما تم حتى الآن مجزرة كبرى نقل الإعلام رأس جبل الجليد منها والمياه ستنحسر لتكشف حقيقة ما جرى. لبنان بلد تعرض لحرب إبادة مورست فيها أقصى درجات القوة بعيدا عن أي قيد أخلاقي أو قانوني. أي حل حقيقي يتطلب محاسبة المجرم في محكمة جرائم حرب لا جعله محجا لوزراء الخارجية يرجونه وقف الذبح المتلفز.

 أكتب للمؤرخين بعد سنوات معدودة أو بعد سنين عددا. فالقاموس المستخدم هذه الأيام لا علاقة له بأدنى المعايير الأخلاقية، بل هو مصاغ وفق معايير القوة المائلة موازينها لصالح المجرم الجلاد. فأي وصف لحكومة أولمرت يخرجها من دائرة الإرهاب يعتبر خضوعا لإملاءات  القوة. فالحكومة الإسرائيلية دمرت بلدا وارتكبت مجازر لم تحص حتى الآن لأن حركة مقاومة أسرت جنديين محاربين. والحكومة ذاتها تختطف رئيس السلطة التشريعية عزيز الدويك من بيته وترسل مظروفا فيه سم محرم دوليا لرئيس الوزراء العربي الوحيد المنتخب إسماعيل هنية.

 الحكومة الإسرائيلية بالمناسبة هي الوحيدة التي تستخدم السموم، ولا تعاقب. في الأردن استخدمت سلاح السم ربما للمرة الأولى، حاولت اغتيال خالد مشعل في بلد أقام معها سلاما دائما. "العالم الحر" إذاك ممثلا بالرئيس بيل كلنتون اتصل بنتياهو بعد تهديد الملك حسين رحمه الله، راجيا أن يرسل الترياق حفاظا على مستقبل عملية السلام.

طبعا نتنياهو حرصا على حياة عملاء الموساد الذين كانوا في الأسر، والذين كانوا سيواجهون عقوبة الإعدام وفق القوانين الأردنية، أرسل الترياق وقبل بصفقة التبادل وفيها خرج مؤسس حماس الشيخ الشهيد أحمد ياسين من السجن، لكن الحكومة الساعية للسلام الدائم الذي ترضى به الأجيال لم تفرج عن أربعة أسرى أردنيين أسروا في غضون الحرب وقبل توقيع معاهدة السلام من بينهم كان الطفل سلطان العجلوني. هذا يظهر كم لدى تلك الحكومة من أخلاق.

  لم يحاسب العالم مجرما استخدم سلاحا محرما فاستخدم هذا السم الذي يبدو أنه مخصص للزعماء الفلسطينيين مرة أخرى في اغتيال ياسر عرفات جهارا نهارا. وبعد أن دفن التحقيق باغتيال عرفات تحت ركام السلطة المدمرة استخدم مرة ثالثة لاغتيال اسماعيل هنية. ولا يعلم من الهدف الرابع المقبل.

مجازر الحكومة الإسرائيلية لم تبدأ بقانا الثانية ولا الأولى، المجازر بدأت في لبنان قبل ذلك بكثير، ولأن شارون وبيريز وغيرهما كوفئوا على مجاز صبرا وشاتيلا وقانا الأولى وغيرهما. وجد أولمرت حوافز لارتكاب مزيد من المجازر.

 من رحم المجازر تقاتل الدبلوماسية العربية والأوروبية من أجل حل يحفظ للدول العربية شيئا من ماء وجهها الذي جففته الحرب. الأميركيون مرتاحون، ما تقبل به إسرائيل يقبلون به. فالحرب كانت أميركية بامتياز وإن بأدوات إسرائيلية. وأميركا ما اعتادت يوما أن تخذل إسرائيل فكيف بحرب خاضتها بالوكالة عنها. مهما كانت العقبات سيكون ثمة حل دبلوماسي لصالح إسرائيل. هدنة هشة قيد الانفجار.

 الانفجار آت. السؤال عن حدوده زمانا ومكانا. الجواب كان أسرع مما يجب. في لندن أحبطت محاولات لاختطاف طائرات. وعلقت شركات رحلاتها إلى واشنطن. وكما هو معلوم ففشل محاولات يعني بالنتيجة أن محاولات أخرى ستنجح. المنتقمون لم ولن يستمعوا للمواعظ السياسية التي تدعو لعدم استفزاز غرائز الوحش الإسرائيلي - الأميركي، على قاعدة ابن خلدون: من عادة المغلوب أن يقلد الغالب، الضحية ستتوحش مثل الجلاد.

عندما كنا نصل لمكان أي مجزرة، كانت اللعنات تصب على الأميركيين قبل الإسرائيليين. سواء من النساء أم من الأطفال أم من الشباب. دعوات الانتقام تتقدم على ما عداها. وبالتأكيد ستجد من يجيب. جيل كامل شوهت مخيلته، المناظر التي شاهدها الناس عيانا لا على الفضائيات تبقى وشما لا يزول. كل واحد في الجنوب للموت في ذاكرته ألوان. وهم يعلمون من جرعهم كأس الموت. ليس حزب الله. لأن الحزب أسر جنديين وكان سيفرج عنهما مقابل جنديين مقاومين. حتى لو كان ذلك لحساب إيران فهو عمل وطني مشروع. لكن إسرائيل ارتكبت مجازر لحساب أميركا ولم تترك فسحة لحل سياسي يفرج عن جندييها.

من يزرع المجازر يحصد الانتقام. سمه مقاومة، إرهابا لا فرق. عندما كنت أشاهد الصواريخ تنطلق باتجاه الإسرائيلي تذكرت عام تسعين عندما كان المتظاهرون يهتفون لصواريخ صدام الثلاثين "بالكيماوي يا صدام". دمرت ترسانة صدام تقليدية وغير تقليدية، وهو بانتظار حكم الإعدام، بالموازاة غدا إطلاق ثلاثين صاروخا في اليوم الواحد تراجعا في معدل إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان.

اقتنع العالم أم لم يقتنع للشعوب العربية والمسلمة قضية عادلة، حلها يجلب السلام للعالم وللمنطقة، والتأخر في الحل يجلب الدمار للعالم والمنطقة. كونداليزا رايس قالت مقدمة صحيحة "حل جذور المشكلة" وخرجت بنتيجة كارثية. ليس عبقريا من يربط بين تعطل الطيران في مطار هيثرو ومجازر لبنان، لكنه معتوه من يرى أن لا علاقة بينهما.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق