عن "حزب الله" وإسرائيل وحربهما

تم نشره في الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

على رغم وحشيّة غير عاديّة تميّزت بها آلة القتل الاسرائيليّة في الحرب على "حزب الله" اللبنانيّ، ومن ثم على لبنان بسبب حزبه، لوحظ ضعف استثنائيّ في التعاطف مع الجماعة الخمينيّة، لبنانيّاً وعربيّاً ودوليّاً.

فعلى الصعيد اللبنانيّ ترافقت إدانة الأطراف السياسيّة المحليّة للغزو الاسرائيليّ مع انتقادات بالغة الحدّة لسلوك "حزب الله"، وهو السلوك الذي وجد تتويجه في خطف الجنديين، ومن ثم استدعاء غزو الدولة العبريّة المدمّر. وكانت المفارقة المأساويّة أن هذا حصل بعدما كان الشعار الذي يعتمده الحزب "حماية لبنان من العدوان الإسرائيليّ"! وربما كان وليد جنبلاط الذي وصف المواجهة بأنها بين إسرائيل وإيران فوق الأراضي اللبنانيّة أكثر الأصوات تعبيراً عن الشعور اللبنانيّ الغالب.

أما عربيّاً، فصدر الموقف السعودي اللافت والذي عبّر عن مواقف الكثير من الحكومات المؤثّرة والفاعلة في سياسات المنطقة. وما لبثت، بالمعنى نفسه، أن تبلورت مواقف مصريّة وأردنيّة وخليجيّة، فيما اتضحت الحدود التي يمكن أن يبلغها دعم الجامعة العربيّة. ويمكن القول، على العموم، إن إجماليّ الموقف العربيّ لا يختلف عن إجماليّ الموقف اللبنانيّ لجهة إدانة سلوكي إسرائيل والحزب الذي استدعاها واستدعى تخريبها.

وأما دوليّاً، فطغت نبرة انسانيّة على الصوت الأوروبيّ، كما على الصوت الروسيّ، اللذين دانا الضربات الاسرائيليّة "غير المتناسبة" مع حجم التهديد، فيما ميّزت واشنطن بين الحرب على "حزب الله"، وهو ما أجازته لاسرائيل، وبين عدم إضعاف الحكومة والدولة اللبنانيّتين. وجاءت قمة الدول الثماني لتشير الى أن التفاوت بين روسيا وفرنسا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى تفاوت في التفاصيل يصحبه اتفاق في الأساسي والجوهريّ.

وهو في مجموعه وضع يُستحسن به أن يدفع الحزب، أو ما سيتبقّى منه بعد انجلاء غبار المعارك، الى مراجعة شاملة لهذه السياسة الكارثيّة قوامها المحاور التالية:

أولاً، الموقف من الشرعيّة اللبنانيّة والطبيعة التعاقُديّة والتسوويّة للبنان. فقد ظهر ضعف الحزب في بلده نفسه قبل أن يظهر في مكان آخر. ذاك أن التذاكي على السلطة الشرعيّة بالظهور بمظهر الإسهام في حكومتها، وفي الآن نفسه العمل على تقويضها عبر تشكيل جيش مواز لها، أفقدا الحزب كلّ غطاء هو في أمسّ الحاجة إليه الآن. وتحت السطح هذا، كان يتبدّى يوميّاً (من دون أن يستطيع "التفاهم" مع الجنرال ميشال عون تغيير ذلك) حجم التضارب بين ما يمثّله الحزب من طرح راديكاليّ وبين التركيبة اللبنانيّة التي لا تشتغل الا بموجب الحلول الوسطى تتوصّل اليها 17 طائفة دينيّة ومذهبيّة. فما طرحه "حزب الله" على باقي اللبنانيّين لا يقلّ عن مطالبتهم بمواقف تعادل حياتهم وموتهم من دون أن يكون لهم مطلق رأي فيها. وهو ما جعل اللبنانيّين يبدون كأنهم مخطوفون من الحزب، مسوقون غصباً عنهم الى حيث لا يريدون الذهاب، لا سيّما وأن الحزب الخمينيّ لم يكفّ عن توكيد طابعه المذهبيّ عقيدةً وطقوساً وعضويّةً واقتصاداً ومؤسّساتٍ في آن معاً.

ثانياً، الحقيقة العربيّة حيال إيران وسوريّة. فـ"حزب الله" بدا على الدوام كأنه امتداد سياسيّ – عسكريّ - ثقافيّ لطهران وامتداد سياسيّ - عسكريّ لدمشق. وهذا مجتمعاً ما وضعه في خانة تتفاوت بين الاختلاف عن العواصم القائدة للجهد الرسميّ العربيّ وبين التعارُض معها، كائناً ما كان الرأي بالجهد المذكور. أبعد من هذا، مثّل "حزب الله" إصراراً عنيداً على تكرار ما سبق أن جرّبته الأنظمة العربيّة مثنى وثلاثاً قبل أن تكتشف لا جدواه، أي المواجهة العسكريّة المفتوحة مع الدولة العبريّة. وكان ضعف هذه المحاولة مثلّث الأبعاد: فهي، من جهة، هزيلة لأنها تزعم نيابة المنظّمات عن الدول وجيوشها، وهي، من جهة أخرى، مزايِدةٌ على الدول وتجاربها التي كلّفتها بشراً ومالاً وأرضاً، وهي، أخيراً، مطعون فيها لأن الطرفين اللذين تخدمهما أحدهما (إيران) غير معنيّ بالهموم العربيّة إلا توظيفاً وانتفاعاً، والآخر (سوريّة) غير معنيّ أصلاً بتحرير أرضه المحتلّة بجهده الخاصّ.

وأخيراً، هناك الشرعيّة الدوليّة. فقد مضى "حزب الله" في حمل بندقيّته والإصرار عليها ضدّاً على إجماع العالم القائل إن لبنان استردّ أرضه المحتلّة عام 2000. وبالمعنى هذا بدا عدم اعترافه بـالخطّ الأزرق" الذي توافق عليه الكون بأسره بمثابة عدم اعتراف باشتغال الشرعيّة الدوليّة ومؤسساتها. وحيال تشبّثه بالاستمرار في المقاومة من دون وجود أراضٍ محتلّة، بات من السهل أن يلتبس أمر هذه المقاومة الغريبة مع الإرهاب في زمن ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

وهي، على العموم، محاور لا بدّ من مراجعتها بدقّة والتعلّم منها. فقد كلّف الإخلالُ بها لبنان واللبنانيين ما لا طاقة لهم على احتماله. يكفي التذكير بأن الخراب العظيم الذي نزل بهم في الأيّام القليلة الماضية إنما أضاف فواتير جديدة الى الفاتورة الأصليّة المتوجّب عليهم سدادها والتي يُقدّر حجم ديونها بما بين 35 و45 بليون دولار.

لكن هل نسمح لأنفسنا بشيء من التفاؤل، فنقول إن المأساة الراهنة ربّما فتحت طريقاً جديدة أمام اللبنانيين، متيحةً ظهور أصوات شيعيّة تكسر احتكار "حزب الله" تمثيلَ طائفته، ومعيدةً الى هذه الطائفة التعدّديّة التي عُرفت بها دوماً؟

إن احتمالاً كهذا كفيل بأن يشكّل معطىً صالحاً للرهان عليه، خصوصاً إذا ما بادر سائر اللبنانيين الى حضنه ورعايته، وبادر سائر العرب والعالم الى مساعدة لبنان، سياسيّاً واقتصاديّاً، على تخطّي هذا الفصل الأخير(؟) من محنتهم المديدة.

كاتب لبناني

التعليق