ياسر أبو هلالة

ملف الفساد لا يتجزأ

تم نشره في الجمعة 7 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

ترحيب المراقب العام لجماعة "الإخوان" بإحالة ملف جمعية المركز الإسلامي إلى القضاء يستحق الترحيب. فلو أن الجماعة رفضت الإحالة لبدا وكأنها ترى نفسها فوق المساءلة، ومعصومة من الخطأ والزلل. وهي صفات يراها في أنفسهم الطغاة لا الدعاة. هنا أيضا جدير التنويه بأن الزميل إبراهيم غرايبة، وهو صاحب سابقة في الحركة الإسلامية، ولا يزال محسوبا عليها فكريا وإن غادرها تنظيميا، كان أول من اتهم الجمعية علانية. ومنذ سنين قسم الإخوان إلى "إخوان الجمعية" نسبة إلى جمعية المركز الإسلامي و"إخوان الجامعة" نسبة إلى جامعة الزرقاء.

ما يقال عن فساد لا يجوز أن يظل حديث مجالس أو مقالات، بسوء نية أو بحسن نية. المكان الطبيعي للفصل في اتهامات الفساد هو القضاء المستقل النزيه. والفساد لا حصانة فيه لأحد مستثمر كبير أم سياسي موال أم معارض. وما يقال في جمعية المركز الإسلامي يقال في كثير من صفقات القطاعين العام والخاص. ومن يرجع لأرشيف "الجريدة الرسمية" تاريخ الأردن الذي يوثق محاضر مجلس النواب يقرأ في جلسات الثقة من عام 1989 إلى اليوم الكثير مما بات مملا تكراره على مسامع المواطن. فوق ذلك تقارير ديوان المحاسبة وديوان الرقابة والتفتيش الإداري.

جمعية المركز الإسلامي ليست بنكا تجارياً ولا شركة اتصالات يستفيد من أرباحها ثلة من المستثمرين، بل جمعية خيرية مضى على تأسيسها عقود واستفاد منها عشرات الآلاف من الفقراء، ولا يزالون بشكل مباشر وغير مباشر. لذا لا بد أن تكون الرقابة عليها داخليا وخارجيا أشد والعقوبة على الفاسد أقسى.

ما يقال "اليوم" يجب أن لا يعمي الأبصار عن حقائق مجسدة على الأرض. فالجمعية قام عليها ولا يزال متطوعون لا يبغون أجرا من غير الله. قلة هم الموظفون المتفرغون الذين يتقاضون رواتب، تظل بالمقاييس الأردنية ضمن المتوسط وأقل، وهؤلاء لا دور حقيقيا لهم. الدور الحقيقي للمتبرعين وليسوا جميعا من "الإخوان".

المستشفى الإسلامي الذي يعتبر من أفضل المستشفيات على مستوى المنطقة، من حيث الكفاية الطبية والعلمية، تقدر قيمة الأرض المقام عليها بالملايين، هذه الأرض لم تشتر في ظروف تجلب الشبهة؛ الأرض تبرع بها محسن في السبعينيات، نسيتُ اسمه، وإن كان الله يذكر فضله ولا يضيع أجره، ومن يدخل المستشفى اليوم يقرأ " تبرع بإنشاء هذا القسم.." الأسماء تشمل كثيرا من الشخصيات الاقتصادية النافذة إلى اليوم. والمستشفى هو واحد من عشرات المشاريع الناجحة التي قامت على أكتاف متبرعين ومتطوعين، حملوا عبئا عن الدولة في رعاية الناس وتلبية احتياجاتهم.

هذا النجاح يجب أن يحافظ عليه؛ لأنه يعبر عن جهود تطوعية تراكمت عبر عقود. ولو أن جهة قدرت حجم الجهد التطوعي الذي بذل في جمعية المركز الإسلامي لزادت قيمته على المليارات. في وقت تقدر قيمة الموجودات المادية المحسوسة بمليار وربع المليار. من هي الجمعية التي ترعى عشرة آلاف يتيم شهريا؟ العمل الخيري قائم على الثقة والثقة وحدها. فالناس لا تتبرع بقرش لمن لا تثق فيه فكيف بالملايين؟

أي موظف في جمعية المركز يثبت عليه فساد لا حصانة له، عقابه ليس في نصوص قانون العقوبات الأردني فقط، الذي قد لا ينطبق على بعض الفساد، وإنما عقابه في قرارات الهيئة العامة للجمعية. فمثلا لو أن موظفا عين قريبا له لا يستحق الوظيفة وغير مؤهل لها لا يعاقبه قانون العقوبات. لكن من حق الجمعية أن تفصله وتطرده وتشهر به، حفاظا على ثقة الناس فيها.

ما ينطبق على جمعية المركز ينطبق على أي مال عام في الأردن. مال الشركات يتساوى مع مال الجمعيات مع مال الوزارات. لا حصانة لفاسد بسبب موقعه أو جاهه معارضا كان أم مواليا. وفي استطلاعات الرأي العام لم توجد حكومة منذ أكثر من عقد تعدت حاجز الخمسين في المائة في تقييم الناس لها في محاربة الفساد. وفي ظل الضنك الاقتصادي يتنفس المواطن عندما يلمس جدية في فتح ملف الفساد. وإن كانت أميركا من أغنى بلدان العالم والأكثر نفوذا اقتصاديا وعسكريا فـإن رئيسها حُقق معه في قضية شركة إنرون، ونائب الرئيس حقق معه في قضية هاليبرتون. في أميركا وفي البلدان الغنية المتقدمة الحصانة للمال العام، وليس للأشخاص بمعزل عن مواقعهم.

[email protected]

التعليق