مجهود وطني مشرف: أكبر مؤتمر عن الشرق الأوسط في عمّان

تم نشره في الأربعاء 21 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

استضافت عمّان وللمرة الأولى مؤتمراً معنياً بدراسات الشرق الأوسط استمر على مدى أسبوع في وقت سابق من هذا الشهر. عندما التأم التجمع العالمي الأول في جامعة ماينز، فرانكفورت في عام 2002، تقرّر أن يُعقد التجمع التالي بعد أربع سنوات. وقد تقدمت خمس عواصم في ذلك الوقت بطلبات لاستضافة التجمع الثاني، وهي بيروت والقاهرة وطهران واسطنبول، بالإضافة إلى عمّان التي اختارها مجلس التجمع العالمي في النهاية لكي تكون مقرّ انعقاد التجمع الثاني لدراسات الشرق الأوسط.

ويقف وراء هذا الاختيار الأمير الحسن بن طلال، الذي يُعتبر قوةً عالميةً وراء ترقية فكر الحوار البنّاء بين الشعوب والأمم المختلفة، وفي تأسيس مثل هذا الحوار على التعليم الصحيح والمعرفة الدقيقة. لقد رأى الأمير أن دراسة الشرق الأوسط يجب أن تتم في المنطقة، وأن توفّر البيئة المناسبة لتفحّص تاريخ وواقع المنطقة على أرضها، وهي المنطقة التي قدّمت للعالم، ليس فقط الأديان التوحيدية الثلاثة، وإنما قدّمت له أيضاً الحضارات الأكثر روعةً والتراث الأكثر غنى.

وبصفته رئيساً لمجلس أمناء المعهد الملكي للدراسات الدينية، والذي أسّسه بنفسه قبل اثنتي عشرة سنة، قرر الأمير الحسن مواجهة التحدي وجلب التجمع العالمي لدراسات الشرق الأوسط إلى عمّان، وقد حقق ذلك بالفعل.

لقد كانت مهمّة الاستضافة مهمة جسيمة أخذها المعهد الملكي للدراسات الدينية على عاتقه، وكنت انضممت إليه في نفس وقت اتخاذ قرار الاستضافة للمؤتمر والتحضير له. ودون توفر المال اللازم وبجهاز قليل العدد وبوسائل بسيطة جداً، وأمام تحدّي مقاييس النجاح العالية التي رسّخها التجمع الأول، بدأنا في المعهد الملكي قبل سنتين الإعداد للمشروع الضخم، الذي يعقد لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط.

لقد غادر البلاد آخر المشاركين الألف وخمسمائة، الذين جاؤوا من 78 بلدا، وقضوا الاسبوعين الأخيرين في عمّان للمشاركة في الحدث. ونحن يملأنا الفخر أن التجمع العالمي الثاني حقق نجاحاً عظيماً، حتى أنه تفوّق على المعايير الصارمة التي وضعها لقاء ماينز قبل أربع سنوات. وقد أحس جميع المشاركين بالفخر لمشاركتهم في هذا الحدث الذي وصفوه بأنه نجاح هائل، وطلبوا إيصال شكرهم وعميق امتنانهم إلى المملكة الأردنية الهاشمية وإلى الأمير الحسن بشكل خاص، بحسب التقييم الذي بعث به رئيس مجلس التجمع للأمير الحسن ولأعضاء المجلس، والذي قال فيه أيضاً أن المؤتمر في عمّان قد فاق أحسن توقعاته، وتوقعات الذين شاركوا في ماينز.

إن فخرنا بهذا الإنجاز لا يقتصر على عملنا في المعهد الملكي، وإنما يمتد ليشمل الصورة الأوسع التي عكست التضامن الوطني في الأردن. فالرعاية السامية لجلالة الملك عبد الله الثاني وتوجيهاته للحكومة بتوفير التسهيلات اللازمة والمساهمة في النفقات كان لها أثر قيّم في تسهيل العمل وضمان النجاح. وهذا قابله أيضاً تعاون ودعم على المستوى الوطني من أمانة عمّان الكبرى والجامعات الأردنية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية وأجهزة الأمن وفئات المجتمع الأردني كافة.

إن العدد الكبير للمشتركين في التجمع يعكس الثقة الكبيرة بالأردن وبأمنه واستقراره وازدهاره على الرغم مما تمر به المنطقة من مظاهر الاضطراب. فحتى تشرين الثاني من العام الماضي لم يتعد عدد المشاركين المسجّلين 300 مشارك. وقد انتابنا القلق جراء ذلك. وازدادت مخاوفنا بعد الهجمات الإجرامية التي أودت بحياة ستين من الأبرياء، وكدنا نفقد الأمل بعقد المؤتمر. لكن ارتفاع عدد المشاركين الذي تجاوز الألف وخمسمائة مشارك، وعدد الندوات وورشات العمل التي تم تسجيلها ووصلت إلى 200، بدد كل مخاوفنا. مع العلم أن جميع المشاركين، باستثناء بعض المتحدثين الرئيسيين، قد سجلوا للمشاركة اختيارياً وتحملوا نفقات السفر والإقامة بالإضافة إلى تسديد رسوم المشاركة في المؤتمر.

إن دلّ هذا على شيء فإنما يدل بالدرجة الرئيسية على الاهتمام الكبير الذي يبديه هؤلاء المشاركون من الباحثين والخبراء، الذين تدفقوا على الأردن للحوار والنقاش حول عدد كبير من القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط، وهذا ما عكسته الندوات وورشات العمل التي التأمت تحت مظلة التجمع.

لم يكن هذا التجمع غاية في حد ذاته، إنما هو فصل في عملية مستمرة، ستؤتي أكلها في القادم من الأيام وعلى مدى السنوات المقبلة من حيث إغناء المعرفة حول الشرق الأوسط والتعمق في فهمه وفهم قضاياه.

إن مهمتنا في المعهد الملكي تقضي بأن ندعو لفهم الحوار وتعزيزه. وسنظل نقوم بتأدية تلك الرسالة متشجعين بالبناء على هذا الإنجاز وما سبقه خلال عمر هذا المعهد، ومدفوعين بما يعزز المسيرة من الثقة والإيمان بأن خير رصيد لهذا البلد كان على الدوام هو رسالة الاعتدال والواقعية والسلام وسيادة الشرعية الدولية والقانون.

مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية

التعليق