إما مع الإرهاب وإمّا ضدّه!

تم نشره في الجمعة 16 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

لا يمكن أن يكون المرء مع إرهابي مثل "أبومصعب الزرقاوي"، الذي قتله الأميركيون في العراق قبل أيّام، وضدّه في الوقت ذاته. الارهاب هو الارهاب ولا شيء آخر غير الارهاب. والزرقاوي ارهابي لم يواجه الأميركيين كما يدّعي الذين يدافعون عنه ويعتبرونه "شهيداً"، لكنه حرّض على ارتكاب مذابح قي حق مواطنين عراقيين ذنبهم الوحيد أنهم من الشيعة.

أكثر من ذلك، تولّى الزرقاوي ذو الثقافة المحدودة، التي لا علاقة لها بالدين الأسلامي وهو دين السماحة أوّلاً، تنفيذ عمليات انتحارية ذهب ضحيتها أبرياء من العراقيين بينهم نساء وأطفال. كيف يمكن أن يكون هناك من يبرر قتل نساء وأطفال وأن يعتبر القاتل "شهيداً"؟

لم يكتف الزرقاوي بذلك، بل تباهى بأنه وراء تفجيرات الفنادق في عمّان الذي ذهب ضحيتها نحو ستين شخصاً من الأردنيين والمواطنين العرب وغير العرب من زوّار الأردن مع ما يزيد على ثلاثمائة جريح. كيف يمكن أن يوجد نائب أردني يدافع عن شخص مثل الزرقاوي همّه الوحيد قتل الأبرياء والاساءة الى العروبة والاسلام والى البلد الذي رعاه وتربّى في كنفه والى العراق والعراقيين خدمة لكلّ من يستهدف وحدة العراق ويسعى الى تأجيج الحرب الأهلية في هذا البلد الذي كان عربياً الى ما قبل سنوات قليلة.

يتوجّب على من يريد الدفاع عن الزرقاوي وعن الثقافة التي ينادي بها، كشف وجهه من دون مواربة وعدم التستر خلف الخزعبلات التي عفا عليها الزمن لتبرير الارهاب بأبشع صوره تحت شعار ان الرجل كان يقاوم الاحتلال. كلاّ، لم يكن الزرقاوي يقاوم الاحتلال. كان جزءاً من مشروع لا هدف له سوى اشعال حرب أهلية في العراق في خدمة أطراف اقليمية همّها الأوّل والأخير تقسيم العراق ووضع قسم منه تحت رعايتها المباشرة. هذه هي حقيقة الزرقاوي... وكلّ الباقي تفاصيل لا قيمة لها من النوع الذي يستخدم في تغطية فكر ارهابي لم يأت على العرب والمسلمين سوى بالويلات.

من هذا المنطلق، يفترض في حزب أردني مثل "جبهة العمل الأسلامي" اتخاذ موقف في غاية الوضوح من عملية مقتل الزرقاوي. على الحزب الذي ذهب نوّاب منه للتعزية بالارهابي في مسقط رأسه أن يختار بين الارهاب وادانة الارهاب، ذلك أن لا مكان لأنصاف الحلول في هذا المجال. وبكلام أوضح، على الحزب أن يختار بين الوقوف مع الأردن وبين الوقوف مع من فجّر الفنادق في تشرين الثاني- نوفمبر الماضي، فقتل من قتل بما في ذلك المخرج العالمي السوري مصطفى العقّاد الذي بذل كلّ جهوده وحتى حياته من أجل تقديم صورة حضارية عن الاسلام الى العالم، صورة عن حقيقة الاسلام ليس الاّ.

في الوقوف في وجه الارهاب وفي وجه الذين يبررون الأرهاب، دفاع عن الأردن وعن الاسلام الحقيقي والعروبة الصادقة. وعندما تتخذ السلطات الأردنية اجراءات في حقّ من تسولّ له نفسه تبرير الارهاب، فأنّها تعمل واجبها القاضي بحماية مواطنيها ومصالح البلد. فما ليس طبيعياً أن يكون هناك أردني يستغلّ الديمقراطية والحصانة النيابية للوقوف مع ارهابيين وتقديم تفسيرات أو مبررات للأسباب التي تدفع بالزرقاوي ومن هم على شاكلته لقتل الأبرياء في الأردن أو العراق أو أيّ مكان آخر في العالم على غرار ما فعله أسامة بن لادن.

من حسن حظ الأردن ان هناك ملكاً اسمه عبدالله بن الحسين يمتلك ما يكفي من الشجاعة لرفض الرضوخ للغوغاء والغوغائيين. فهو قادر على الحسم متى تعلّق الأمر بمصالح الأردن وبأبناء الأردن. وهو بكلّ بساطة على استعداد لتقديم مصلحة الأردن والأردنيين على كلّ ما عداها. لذلك لم تترك الحكومة الأردنية أيّ مجال لأخذ وردّ عندما تعلّق الأمر باتخاذ موقف من الارهاب.

لا شكّ أن "جبهة العمل الأسلامي" ستدرك عاجلاً أم آجلاً أن العودة عن الخطأ فضيلة وأن الاجراء الحكومي الذي اتُخذ كان في مصلحة الجبهة التي كانت تدرك في الماضي أن من مصلحتها الدفاع عن الأردن بدل تبرير الأرهاب. انها مصلحة تاريخية للجبهة ولحركة الإخوان المسلمين عموماً التي لم تجد مكاناً تلجأ أليه أفضل من الأردن عندما كانت الحركة تقف ضد الارهاب والتسلط وكانت ضحيّة الأضطهاد. لم تكن الحركة وقتذاك تحت تأثير التكفيريين من جماعة بن لادن وغيرها من جماعات لا علاقة لها بالاسلام الحقيقي وبكلّ ما هوحضاري.

 

يفترض في حركة الإخوان المسلمين أن تستوعب قبل كلّ شيء أن ليس في مصلحة الأردن الظهور في مظهر من يؤيد الارهاب أو أن يكون هناك أيّ سبب للقول أن في الأردن من يدعم الارهاب خصوصاً في العراق. بل للأردن دور، على الصعيد الأقليمي، يتلخّص بالعمل على تشجيع ثقافة التسامح والوسطية والاعتدال والعمل على نشرها وعلى تلاقي المسلمين عند كلّ المبادئ التي تبشّر بالتسامح والحوار. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت "رسالة عمان" التي تشكلّ دعوة الى التلاقي بين كلّ المذاهب الاسلامية التي ليس هناك في الأصل ما يفرّق بينها.

إنّها رسالة الهاشميين بامتياز منذ وُجدت الأسرة التي بذلت الرخيص والغالي من أجل الدفاع عن الاسلام وسماحته. ألم يردّ الملك حسين، طيّب الله ثراه، على الذين كانوا يدعون الى العودة الى الاسلام بأن "الاسلام أمامنا"؟ أي أن علينا اللحاق بالاسلام الذي يدعو الى التقدّم والتقدمية الحقيقية بدل التعلّق بقشور الماضي وأوهامه.

ليس هناك من يستطيع أعطاء دروس للأردن، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالارهاب ومكافحة الارهاب. هناك شيء وحيد تستطيع "جبهة العمل الأسلامي" عمله هو الاقتداء بما فعلته "حماس". كان الميل واضحاً لدى بعض الجهلة من المنتمين الى "حركة المقاومة الاسلامية" التي شكّلت الحكومة الفلسطينية الى نعي الزرقاوي. وثمة من يقول أن ذلك لم يكن وارداً في أي حال من الأحوال. لكنّ المهم أن "حماس" لم تنبس في النهاية ببنت شفة بعدما أدركت معنى أن تنعي مجرماً وارهابياً مثل الزرقاوي والانعكاسات السياسية التي ستترتب على مثل هذا التصرف الأرعن. لماذا لا تستفيد "جبهة العمل الأسلامي في الأردن" من تفادي "حماس" الاقدام على عمل أرعن... أم أن تحميل الأردن ما لا يستطيع تحملّه وما لا يفترض عليه تحمّله يفيد جهات اقليمية معينة باتت تعتبر الارهاب قوتها اليومي حتى لو كان ذلك على حساب الشعب الأردني؟  

كاتب لبناني

التعليق