رحيل زعماء السياسة

تم نشره في الخميس 1 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

ظللت لمدة طويلة أتصور أن التعديل الثاني والعشرين لدستور الولايات المتحدة ربما كان الوسيلة الأفضل لضمان عدم تجاوز الزعماء السياسيين للفترة التي يستطيعون خلالها الاستمرار في الحصول على ترحيب الناس، وعلى القدر نفسه من الأهمية، ضمان عدم استهلاكهم لتأثيرهم الفعّال على الناس. وهذا التعديل ببساطة يمنع رئيس الولايات المتحدة من الاحتفاظ بمنصبه لأكثر من فترتين متعاقبتين تستمر كل منهما أربعة أعوام.

ربما أكون قد نسيت الآلام التي تحملها الرجال الذين شغلوا هذا المنصب قبل الرئيس جورج دبليو بوش، خلال فترة ولايتهم الثانية، لكن المأزق الخاص الذي يعيشه بوش حالياً يؤكد أن ذلك القيد الدستوري في حد ذاته لا يخلو من المشاكل. فهو من ناحية يحول الرئيس إلى دُمْـية عاجزة لا شخصية لها في مرحلة ما من فترة ولايته الثانية. هل يذكر أي منكم كيف وعد الرئيس بوش بعد إعادة انتخابه بإصلاح نظام معاشات التقاعد ("الضمان الاجتماعي")؟ لقد بات من الواضح الآن أنه أصبح عاجزاً بلا حول ولا قوة، ليس فقط بسبب معارضة الديمقراطيين له، بل وأيضاً، وربما كان ذلك هو العامل الأكبر، بسبب الصراع على خلافته داخل حزبه.

لكن المصير الذي آل إليه صديق بوش رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، يؤكد أن حالة الدُمْـية العاجزة من الممكن أن تصيب الزعيم السياسي حتى من دون تعديل دستوري يقيد مدة الولاية، بل ومن دون دستور مكتوب على الإطلاق. لقد ارتكب بلير خطأ تحديد مدة توليه لمنصبه بنفسه حين قال إنه لن يرشح نفسه للمنافسة على فترة رابعة كزعيم لحزب العمل. ولكن حتى من دون مثل هذا التعهد، فلسوف يجد صعوبة كبيرة، بعد تسعة أعوام في المنصب، في الجمع ما بين برنامج إصلاحي ضروري وبين إدراكه لما يمكن إنجازه بالفعل نظراً للجو السائد في حزبه وفي البلاد بصورة عامة.

الحقيقة أن الإصلاحات التي أعلن عنها بلير أصبحت تبدو على نحو متزايد وكأنها وعود فارغة، وذلك لأن ما لا يمكن اجتنابه قد حدث بالفعل: فقد خسر رئيس الوزراء لمسته في التعامل مع الجماهير. وما كان يضفي عليه ذات يوم شخصية كاريزمية جذابة أصبح الآن مجرد إعادة أداء لكل ما هو مألوف ومعتاد.

بطبيعة الحال، من الصعب للغاية بالنسبة للزعماء أن يتخلوا عن السلطة في كل الأحوال. ربما تخلى بعضهم عن السلطة طواعية بصورة أو أخرى، لكنهم لم يفعلوا ذلك إلا لكي يعاودوا الظهور فجأة من عالم النسيان. فهل من المعقول أن يكون هذا هو ذات الرئيس أوسكار آرياس الذي فاز (بالكاد) بالانتخابات الرئاسية التي جرت في كوستاريكا مؤخراً، وعاد الآن إلى السلطة بعد غياب دام عشرين عاماً؟ أولم يكن جيوليو أندريوتي الذي رشحه سيلفيو بيرلسكوني لرئاسة مجلس الشيوخ الإيطالي عضواً صغيراً في واحدة من أوائل الحكومات الإيطالية في فترة ما بعد عام 1945؟ وهل كان من المحتم أن يعاود كافاكو سيلفا، رئيس وزراء البرتغال الناجح في فترة التسعينيات، الظهور كرئيس للبلاد في عام 2006؟

من يستطيع أن ينسى دموع مارجريت تاتشر حين أخبرها "أصدقاؤها" أن وقتها في السلطة قد انتهى؟ وحين استقال فجأة رئيس الوزراء هارولد ويلسون في عام 1976 وترك مقره في داوننغ ستريت للراحل جيمس كالاهان، ارتاب الناس في الأمر وتساءلوا ما إذا كان قد أجبر على الاستقالة بفعل خطة رسمتها أحد الأجهزة الأمنية السرية بسبب قضية جنوب أفريقيا.

مما يبدو أنه ليس من الممكن أن يترك زعماء السياسة الساحة السياسية على نحو أنيق. وحتى في حالة وجود "فترة انتقالية منظمة" - المصطلح الذي استخدم كثيراً بشأن توني بلير وغوردون براون في ذلك الوقت- فإن الأمر لا يخلو من الحزن والمرارة، أو الألم على الأقل. يبدو أن المنصب السياسي أكثر إحداثاً للإدمان من الهيروين. والتخلي عن العادة لا يشتمل فقط على المنغصات المترتبة على خسارة الفوائد والامتيازات وأسلوب الحياة الخاص، بل إنه يتضمن أيضاً خسارة السلطة. ربما تحولت السلطة اليوم في هذا الكون المتعولم إلى مجرد وهم، لكنه وهم يشاركك إياه آخرون، ولكن كلما عاش المرء في مثل هذا الوهم لمدة أطول، اشتملت دائرته الخاصة على عدد أكبر ممن يشاركونه الوهم نفسه.

إن إدمان المنصب السياسي يثير الانزعاج والقلق دوماً، ذلك أن الديمقراطية تتحول إلى حكم الفرد حين يتوقف الزعيم عن إدراك حدود سلطانه. يبدأ الأمر بالانفصال عن الواقع، ثم يتبع ذلك اعتقاد الزعيم بأنه الشخص الوحيد الذي يعرف الصواب من الخطأ. فحين يزعم توني بلير أن أكثر الحريات أهمية هي الأمن من الهجمات الإرهابية، يكون بذلك قد نسي المبادئ الأولية لحزبه وبلاده. إن تجاوز فترة الترحاب قد يشكل المرض المهني الذي يصيب الزعماء السياسيين، لكنه في المقام الأول من الأهمية لا يتوافق مع الديمقراطية باعتبارها البنية اللازمة لإحداث التغيير دون اللجوء إلى العنف.

المسألة إذاً هي ما إذا كانت هناك أية وسيلة لضمان رحيل الزعيم السياسي في الوقت المناسب. وعلى الرغم من أن دستور الولايات المتحدة يبين حدود الحماية المؤسسية، إلا أن الدور الذي تضطلع به الأحزاب السياسية يتسم بأهمية واضحة حين يتعلق الأمر بتحديد فترة تولي السلطة. وكما حدث مع ثاتشر، فمن المؤكد أن بلير يستمع الآن إلى أعضاء حزبه الذين يقولون إنه لابد وأن يرحل الآن، لكنه يرد عليهم بأن "الشعب" ما زال يريده. ولكن ربما يتمتع الحزب بحس أفضل فيما يتصل بما يمكن أن يستمر، ليس اليوم فقط، ولكن غداً أيضاً في الانتخابات التالية على سبيل المثال.

في النهاية، لا نستطيع أن ندعي وجود طريقة نضمن بها رحيل الزعماء السياسيين دون ذرف الدموع. والمهم في الأمر أن توجد الآليات اللازمة لحملهم على الرحيل، ربما بعد فوات الأوان، وببعض الألم والتعاسة على وجه اليقين، ولكن في الوقت المناسب الذي تظل معه بنية الحرية سالمة من الأذى.

رالف دارندورف مؤلف العديد من الكتب والمفوض الأوروبي الأسبق من ألمانيا، وهو عضو مجلس اللوردات البريطاني، والرئيس الأسبق لكلية لندن لعلوم الاقتصاد، والأمين العام الأسبق لكلية سانت أنطونيو في أكسفورد.

خاص بالغد، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق