د.باسم الطويسي

استعادة الآثار الأردنية من الخارج

تم نشره في الخميس 1 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

هل يمكن للأردن المطالبة باستعادة الآثار واللقى التاريخية التي وجدت داخل الأرض الأردنية وفوقها، وهربت أو نهبت أو أهديت إلى الخارج، ويعود بعضها إلى عهد الدولة العثمانية، وبعضها الآخر إلى فترات لاحقة من عمر الدولة الأردنية؟ وهل نملك الحق القانوني والأدبي والأخلاقي وقبل ذلك الحق الوطني باستعادة هذه الآثار وإرجاعها إلى موطنها الأول؟ وللاستدراك هل قامت الجهات المعنية بتوثيق شامل للآثار الأردنية المنتشرة في إنحاء العالم؛ في عشرات المتاحف الكبرى والصغيرة وفي الجامعات والأكاديميات وفي بيوت المترفين وفي مستودعات التجار وصالات المزادات؟

كلما طرح هذا الموضوع، وقليلاً ما يطرح، هناك إجابة توارثها المسؤولون في هذا الشأن؛ مفادها استحالة استعادة هذه الآثار، وهي إجابة في أكثر من نصفها غير حقيقية وتفتقد للدقة، وهي للأسف إجابة تعبر عن التقاعس في أداء واجب وطني مقدس لا يجب التفريط في ذرة منه.

بالفعل هناك وثيقة دولية بمثابة قانون أصدرتها اليونسكو عام 1972 تحظر نقل الآثار من موطنها الأصلي وتمنع الاتجار بها بأي شكل من الأشكال، أو تداولها خارج أوطانها لغير سلطة الآثار الوطنية.

وعلى المستوى الدولي لم يكن هناك ما يجرم نقل أو الاتجار بالآثار قبل ذلك التاريخ، ولكن هذا لا يعني إسقاط حق الشعوب في استعادة آثارها ورموزها الوطنية التي أُخرِجت قبل ذلك التاريخ، بل ان بعض الدول أصدرت قوانين خاصة بها تجعل من المطالبة بآثارها المسروقة أو المتاجرة بها في أي فترة مضت حقاً وطنياً لها، واتخذت في سبيل ذلك إجراءات قانونية وعقوبات، منها على سبيل المثال حرمان المتاحف والجامعات الغربية التي يوجد لديها آثار تعود لهذه البلدان من التعاون العلمي معها في مجال الآثار من قبيل عدم منحها تصاريح التنقيب عن الآثار، وعدم السماح للبعثات العلمية التابعة لهذه المؤسسات بممارسة أنشطتها في هذه البلدان.

خلال أقل من عقدين لاحظنا حملات دولية واسعة نفذها العديد من دول العالم لاستعادة آثارها المنهوبة استخدمت فيها أدوات قانونية ووسائل دبلوماسية رسمية ودبلوماسية شعبية وحملات إعلامية منظمة، ومارست منظمات المجتمع المدني دورها في مساندة الجهات الرسمية وشكلت رأياً عاماً ضاغطاً. من جهة أخرى شكل مثل هذا النوع من الحملات أحد مداخل تنمية المواطنة واستعادة الشعور التاريخي بالذات، ويكفي ان نسترجع أمثلة لحملات من قبيل ما فعله الأتراك والمصريون والسوريون والأفارقة الذين استطاعت بعض بلدانهم استعادة حتى السفن التي كانت تصطاد الرقيق الافريقي وتصدرهم إلى الولايات المتحدة.

ويطالب مثقفون وهيئات مدنية سورية ومصرية اليوم باستعادة حتى رفات البطل سليمان الحلبي الذي قتل القائد الفرنسي كليبر، قبل ما يقارب القرنين، التي توجد في المتحف الفرنسي. أما قصة المصريين في استعادة آثار بلادهم المهربة والمسروقة طويلة وشائقة، من بينها قصة (فردريك شولتر) احد مستشاري الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الذي قبض عليه يتاجر بقطع أثرية مصرية في لندن، وتمت مطاردته حتى حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات على الرغم من ان الولايات المتحدة غير موقعة على اتفاقية اليونسكو، وتبين ان هذا المستشار ينتمي إلى مافيا دولية يقودها مطرب إنجليزي شهير متخصص بالتهريب والاتجار بآثار الشرق الأوسط ومنها الأردن.

ويخوض زاهي حواس، رئيس المجلس الأعلى للآثار المصرية، ونخبة علمية في هذا الوقت معركة واسعة لاستعادة رأس الملكة المصرية نفرتيتي، الموجود في المتحف الألماني، تبدأ المعركة عادة بتصريح إعلامي: "نفرتيتي تحن للعودة إلى الوطن"، ثم تبدأ دبلوماسية علمية وسياسية وضغوط وتحالفات بين هيئات دولية علمية ومدنية، ومن المتوقع ان تجري الأمور كما تم في إعادة مومياء الملك المصري القديم (توت عنخ آمون) إلى وطنه في موكب مهيب بعد غربة طويلة.

الآثار الأردنية في الخارج التي هربت أو سرقت أو أهديت منذ عهد العثمانيين إلى اليوم لم تخرج بطريقة شرعية، ويجب المطالبة باستعادتها والشرعية الوطنية أقوى من أي مبرر يساق في هذا الشأن، لم يتوقف تهريب الآثار؛ هناك تجار على المستوى الدولي ينشطون في مواسم ولهم وكلاء، ومؤخراً ظهرت آثار أردنية على مواقع لمزادات الآثار العالمية على شبكة الانترنت.

أما الآثار التي أخرجت في الفترات السابقة فلا يوجد لدينا حتى توثيق واضح وإحصاء بأعدادها وأماكن وجودها سوى الأمثلة الشهيرة وأهمها؛ واجهة قصر المشتى احدى أهم روائع فن العمارة الإسلامية عرضها (33) متراً بارتفاع (5) أمتار نقلت من موطنها الأصلي في الصحراء الأردنية إلى برلين بعد ان أهديت من آخر السلاطين العثمانيين إلى القيصر فيلهام الثاني، وشكلت نواة متحف برلين للفنون الإسلامية؛ تصوروا واجهة معمارية بهذه الضخامة والروعة تنقل حجراً حجراً من موطنها عبر الموانئ والسفن ويعاد تركيبها من جديد بعيدا خلف مساحات شاسعة، ومسلة ميشع الشهيرة التي وجدت في ذيبان توجد اليوم في متحف اللوفر الفرنسي والتي تخلد جانباً من أهم فصول تاريخ الأرض الأردنية ومقاومتها للأعداء، في المتحف نفسه توجد مسلة شيحان التي تعود إلى العصر البرونزي المتأخر في الأردن، وتنتشر في المتحف البريطاني والمتاحف الاسترالية عشرات القطع واللقى الأثرية من الأردن من بينها أقدم منحوتة حجرية مكتشفة في الشرق الأدنى القديم تعود إلى الفترة النطوقية هربت من الأردن وتوجد اليوم في المتحف الوطني الاسترالي، وتنتشر العديد من التماثيل الأردنية القديمة وعشرات اللوحات الفسيفسائية من جرش وأم قيس ومادبا في المتاحف البريطانية والألمانية والأميركية والاسترالية.

أما الآثار النبطية المهربة والمسروقة فحدث بلا حرج؛ بدءاً من حفريات (نيلسون جلوك) في ثلاثينيات القرن الماضي التي هربت عشرات التماثيل والقطع الأثرية والنقوش، وصولا إلى التجار الجدد حيث تنتشر آثار حضارة الأنباط اليوم في متاحف الجامعات الأميركية في بال وبنسلفانيا وسنستاني وفي مستودعات التجار وصالات العرض، وأخيرا بالمزاد على شبكة الانترنت.

حان الوقت للمطالبة بعودة الآثار الأردنية إلى وطنها فقط طالت غربتها والتقاعس عن ذلك جريمة.

Basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بعث تحيه الى جريدة الغد (أنسام)

    الأربعاء 11 تموز / يوليو 2007.
    مرحبا جريدة الغد أنا بحب أقرأها لانها متنوعة ومواضيعها مختلفة وتعجب جميع الاعمار

    وشكرا