د.باسم الطويسي

المشهد من مشرحة بغداد

تم نشره في الأحد 7 أيار / مايو 2006. 02:00 صباحاً

 ربما تكون مشرحة بغداد هي المكان الأكثر موضوعية وصدقا ليس لقراءة الأحوال الأمنية وفوضى الموت العارمة التي أسرفت صور القتل المجاني ومشاهد الدماء والدمار في تصويرها، بل ولقراءة الوجه الإنساني القاتم للأحوال السياسية.

وبينما انشغلت الطبقة السياسية الجديدة في بغداد على مدى الأسابيع الماضية بصراعاتها على كرسي رئاسة الوزراء ثم بالصراعات المكوكية على توزيع الحقائب الوزارية والمناصب العامة، لم تعد أخبار الجثث وهويات الضحايا وأعدادهم التي تنهال على مشرحة بغداد ذات بال، ولم تعد تتصدر العناوين. بل تراجعت، وأصبح الخبر العراقي سياسيا همه الأول تطورات المنطقة الخضراء ومزاج القادة السياسيين الجدد فيها، مع ازدياد القتل المجاني الذي لم يتوقف عن الفتك الجماعي منذ ثلاث سنوات.

العادة تفسد الإثارة إلا في جرائم الموت؛ بالفعل تتفق نظريات كتابة الأخبار على عناصر مشتركة تشكل ما يسمى قيم الأخبار من آنية وجدة وفرادة وأهمية وجمهور وغيرها من عناصر تكسرها العادة والتكرار في أي حدث الا في الموت حينما يكون جريمة. فاستمرار الموت الجماعي في المكان ذاته وتحت وطأة الظروف نفسها يمنح الحدث مزيدا من الجدة والجدية والآنية والأهمية، الا في الموت العراقي الراهن الذي أصبح في ذيل قوائم الاهتمامات السياسية وفي أواخر النشرات الإخبارية، بل أصبح لازمة يكررها المذيعون تذكر بأخبار الحرب العراقية الإيرانية في أعوام الثمانينيات. 

استمرار الموت الجماعي المجاني بهذه الوتيرة المتزايدة يوما بعد يوم اكبر من حجم اللعبة السياسية المحلية وما يظهر على السطح من امتدادات للاحتلال. وعلى الرغم من قسوة ما واجهه العراقيون من فتن ومصائب عبر التاريخ ومن حروب واستبداد لعقود مضت، فإنّ رائحة الموت المنبعثة من مشرحة بغداد تعني أكثر من ذلك وهي وحدها القادرة على تفسير الأحداث ببلاغة وصدق أكثر من صراع النخب السياسية وشغبها، وقادرة أكثر على تحديد مسار الأحداث والى أين تسير الأمور. هذا الموت والقتل يعني صراعات أخرى تتجاوز بنية السلطة وتقاسمها إلى بنية المجتمع بحد ذاته وتتجاوز المجتمع العراقي إلى بنى وهياكل مجتمعات مجاورة وقريبة تنظر وتنتظر.

وتدل العديد من التجارب بأن المشروع السياسي الاجتماعي الذي يؤسس على الخوف الجماعي وأداته الأساسية الموت الجماعي يؤسس بقوة وسرعة إلى الإقصاء الإرادي وطلب العزلة، لا يمكن التصديق بأن التعايش المذهبي والاثني في العراق قبل الاحتلال قابل للاستئناف اليوم مهما كان شكل العراق الجديد بعد كل هذا الموت الجماعي المتبادل.

وللأسف فقد دقت آلاف الأسافين ولازالت تدق ولن يكون غريبا ان تطلب - إذا ما ستمر المخطط الراهن- الجماعات المذهبية والاثنية العزلة والانكفاء على الذات حتى تلك التي تقاوم مشروع الفدرالية والتقسيم.

هناك اليوم مدن وقرى تشهد حركة سكانية واسعة من النزوح المتبادل حسب المذاهب والهويات لإعادة تشكيل جغرافيا مذهبية وعرقية جديدة تحت وطأة الخوف الجماعي المتبادل. 

منذ بدء العملية السياسية في اليوم التالي للاحتلال كان السياسيون يجدون دوما ما يسوغون به أعمال العنف والموت الجماعي؛ مرة بضرب الانتخابات ومرة لتعطيل الاستفتاء على الدستور وأخيرا لمنع تشكيل الحكومة، دون الاعتراف بعمق الاختلالات التي نشرها الاحتلال وتداعياته في طول المجتمع العراقي وعرضه، وما العنف والفوضى والقتل الجماعي إلا بعض جوانبها.

كان الرهان السياسي قبل عدة شهور يتجه نحو تحقيق عبور سياسي من خلال بناء كتلة وطنية توافقية تقود العراق الجديد بعدما عمل التدخل الإقليمي والحرب على تخريب كل الفرص الممكنة لخلق النموذج العراقي العابر للطوائف والاثنيات على المستوى المجتمعي. لكن للأسف لم تنجز أي من المهمتين، بل كرست أحداث الفوضى والعنف والموت الجماعي، جنبا الى جنب مسار العملية السياسية، خطوط الفصل حتى عادت أشبه ما تكون جدرانا إسمنتية صامتة؛ هي مقابر أكثر من ثلاثين ألف ضحية حصدتها أعمال العنف والإرهاب والقتل الجماعي بمعدل يومي يصل ما بين عشرين إلى أربعين ضحية في الايام العادية، غير المواسم التي تضرب فيها أماكن ذات حساسية مذهبية او يقصد بها إيقاع اكبر قدر من الضحايا.

الحقيقة، المشهد من مشرحة بغداد أكثر وضوحا وصدقا من اي مكان آخر، حيث عشرات الجثث يوميا بعضها يبحث عن هوية وأخرى لا تجدها أبدا، وحيث ينقل الموت أكثر التعبيرات السياسية قوة وأكثر التعبيرات الاجتماعية انفعالا وقسوة، ويدق الموت أيضا كل يوم مسامير في نعوش تنتظر تريدها لعبة الأمم الجديدة الممتدة من واشنطن الى طهران ولا تنتهي في بغداد.

[email protected] .com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العراق (محمود البواب)

    الأحد 7 أيار / مايو 2006.
    نشكر الكاتب على هذه المقالة
    ونبارك له جهوده النيرة المستمرة في توضيح وبيان الكثير من الامور والقضايا العربية.

    ونتمنى من الله العزيز الحكيم ان يسدد على طريق الخير خطاك
    والمزيد من التقدم والنجاج.
    والسلام عليكم