منار الرشواني

العمال: ركن الديمقراطية الغائب

تم نشره في الاثنين 1 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

في تفسير نشوء الديمقراطية في الغرب الصناعي، وغيابها في الشرق ما قبل الصناعي، وضمنه العالم العربي، يظل القاسم المشترك بين أكثر، إن لم يكن جميع النظريات والتفسيرات المقدمة هي وجود الطبقة الوسطى، والأدق الطبقة البرجوازية المنفصلة عن الدولة والمقيدة لها، في الأول، وغيابها في الثاني. وهكذا، تبدو هذه الحقيقة التاريخية اليوم المبرر العملي الذي لا يفتقر إلى الدلائل والحجج للترويج لاقتصاد السوق، أو الرأسمالية بشكل عام، باعتباره الطريق المثلى نحو الديمقراطية، أو المتطلب السابق الذي لا غنى عنه لتحقيق هذه الأخيرة.

لكن تاريخ الرأسمالية والديمقراطية ذاته يؤكد أيضا بنفس القوة والوضوح أن ما سبق لا يعدو أن يكون في أحسن الظروف نصف الحقيقة التي باتت معروفة للجميع، أما النصف الآخر فلا يزال، على أهميته، غائبا أو مغيبا، على الأقل في أدبياتنا المتعلقة بالديمقراطية، أو تلك الموجهة إلينا.

فالرأسمالية التي هي رحم الديمقراطية تاريخيا، تطلبت ولا تزال ظروفا قائمة على إخضاع أكثرية فئات المجتمع، ولذلك أبدع الرأسماليون باسم الديمقراطية والحرية والمساواة مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" الذي ينسجم بدوره بشكل كامل ويضفي المنطقية والعقلانية الكاملتين لما عرف بـ"قانون الأجور الحديدي" الذي أبدعه الاقتصادي الرائد على صعيد المناداة بحرية التجارة "ريكاردو". ومضمون هذا القانون، بشيء من التبسيط، هو أن أجر العامل الأول لا بد وأن يكون مماثلا لأجر العامل الأخير، وبالنظر إلى توفر الأيدي العاملة بكثرة، من رجال ونساء وحتى أطفال، فقد كان الأجر الحديدي للعامل هو ما يكفيه للبقاء حيا، وفقط لأداء العمل المطلوب منه!

بعد اكتمال الصورة الرأسمالية الكلاسيكية السابقة، والتي يرد لها الاعتبار الآن من خلال مدرسة الكلاسيكية الجديدة، أو مدرسة شيكاغو (نسبة إلى جامعة شيكاغو التي انطلقت منها على يد الاقتصادي الأميركي "ميلتون فريدمان") المسيطرة على الفكر والسياسات الاقتصادية في دوائر صنع القرار الفاعلة على مستوى العالم ككل، يبدو من المحتم إعادة اكتشاف النصف الآخر لحقيقة علاقة الرأسمالية واقتصاد السوق بالديمقراطية التي عرفها الغرب، وغدت قيمة عالمية انتهى التاريخ عندها وبها.

نصف الحقيقة الغائب أو المغيب وإن تكامل مع نظيره الأول إلا أنه مناقض له، وكما يعبر ديتريخ رويشيماير وإيفيلين ستيفنز وجون ستيفنز في دراستهم المعنونة "التنمية الرأسمالية والديمقراطية" (وهي أيضا من مطبوعات جامعة شيكاغو)، فإن الديمقراطية الحقيقية، والشاملة لجميع فئات المجتمع إنما نشأت "رغما عن الرأسماليين وليس بسببهم"، فالديمقراطية "هي نتاج الطبيعة المتناقضة للتنمية الرأسمالية".

فصحيح أن نشوء الطبقة البرجوازية من اصحاب المشاريع والمصانع، والتي كانت تتوسط بين الإقطاعيين والطبقات الكادحة من عمال وفلاحين، كانت العامل الرئيس في وضع اسس الديمقراطية، تماما كما أن العهد العظيم "ماجنا كارتا" لم يكن إلا عهدا بين الملك ونبلاء انجلترا، إلا أن المسؤول عن تعميم الديمقراطية على الطبقات كافة، وإنهاء احتكارها بشكل استغلالي أقرب إلى الاستعباد من قبل البرجوازييين، لم يكن إلا بفضل العمال ذاتهم لا سواهم.

وفي دراستهم التاريخية المقارنة لثلاث كتل متمايزة، هي الدول الرأسمالية المتقدمة، ودول أميركا اللاتينية، ودول أميركا الوسطى والكاريبي، ينتهي رويشيماير وإيفيلين ستيفنز وجون ستيفنز إلى أن الطبقة العاملة كانت "العامل الأساس (المفتاح) في تطور ديمقراطية حقيقية في كل مكان (تناولته الدراسة)"، وأن ضعف دور الطبقة العاملة في الأحداث التاريخية، كما هو الحال في دول أميركا اللاتينية، هو ما يفسر عدم وجود ديمقراطية حقيقية مستقرة في تلك المنطقة.

لكن الأهم في دور الطبقة العاملة المنظمة على صعيد الديمقراطية في أغلب دول العالم المتقدم أن نضالات هذه الطبقة لم تفض أبدا إلى تعميم حق الانتخاب باعتباره الغاية القصوى، بل باعتباره الحل السلمي للتفاوت الصارخ بين فئات المجتمع، وبالتالي تحقيق مزيد من العدالة الاقتصادية والاجتماعية. بعبارة أخرى، كان للعمال فضل على العالم أجمع في استئناس الرأسمالية، بعد أن بدأت أقرب إلى المتوحشة، وتعود اليوم إلى عهدها الأول، ودائما باسم القانون الذي يفرضه الأقوى-الأغنى.

في يوم العمال، حري بالعالم استعادة معيار: العامل بخير، الديمقراطية الحقيقية بخير!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق