منار الرشواني

منطقة خضراء عربية في العراق

تم نشره في الخميس 27 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

بكثير من الثقة يمكن القول إن الاتجاه السائد في الرأي العام العربي هو تأييد المشروع النووي الإيراني، أما السبب وراء ذلك لدى من لا يعتبرون هذا البرنامج تعزيزا للقوة "الإسلامية"، العربية حكما، فهو أن الانجاز الإيراني إنما يمثل تحديا لأميركا التي تحتل العراق، والداعمة للاحتلال الإسرائيلي وفظائعه في فلسطين من غير قيد أو شرط.

 تبرير "التحدي" للغطرسة الأميركية ذاته يمكن إيجاده فيما يتعلق بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في غير بلد عربي؛ إذ من الضروري، لا الجائز فقط، التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ولو مرحليا، طالما أن النظام في هذا البلد العربي أو ذاك يجسد "قلعة صمود" في وجه الإمبريالية الأميركية التي تجتاح الوطن العربي ماديا أو معنويا، ولا يليّن هذا الموقف كون هذا الصمود مجرد صمود إعلامي، تماما كما كان العراق في زمن صدام حسين؛ إذ كان محجا لكل القوى الشعبية العربية، بما فيها تلك التي تستحق وصف "قوى ديمقراطية" بحكم مطالبها على المستوى المحلي، وبالتأكيد ليس على المستوى العربي القومي.

لكن انسجاما مع هذه الرؤية المتحدية، هل يبدو غياب العرب عن العراق، وتحديدا على مستوى التمثيل الديبلوماسي، نوعا من أنواع "التحدي" للولايات المتحدة، باعتباره رفضا للإقرار بشرعية الاحتلال وكل ما ينتج عنه، أم أن الحقيقة هي نقيض ذلك تماما؟

ثمة إجماع عربي على أن الولايات المتحدة، يشاركها في ذلك أعداؤنا وكذلك بعض من نعتقد اليوم أنهم حلفاؤنا، لم تكن ومنذ حرب العام 1991 تستهدف العراق وحده، وإنما كان تدمير العراق واحتلاله لاحقا بمثابة حجر الاساس في عملية مستمرة للإجهاز على أي مشروع قومي عربي بأي درجة كانت، وهي حقيقة تم التعبير عنها منذ وقت مبكر بمشروع "الشرق الأوسط الكبير". أما بعد الاحتلال، ومع تعمق المأزق الأميركي والسعي إلى البحث عن شركاء لإنقاذ الولايات المتحدة من الحال الذي وصلت إليه في العراق ومعها العراقيون ككل، فيمكن بقليل من الجهد ملاحظة الإصرار الاميركي على الاستنجاد بكل الدول غير العربية، بما فيها إيران التي هي اليوم قطب محور الشر من وجهة النظر الأميركية!

إذن، وبغض النظر عن الذرائع التي يرددها كثير من القوميين العرب ونظراؤهم الإسلاميون لتبرير الغياب العربي عن العراق، يبدو من البدهي القول إن هذا الغياب هو ما يخدم الاحتلال الأميركي ومشاريعه على مستوى المنطقة ككل، تماما كما يخدم كل أعداء عروبة العراق، والقومية العربية بشكل عام، لا سيما بعد انسحاب عسكري أميركي تتزايد مؤشراته يوما بعد يوم، ولو إلى قواعد دائمة في داخل العراق. أما الأخطر من هذا الغياب فهو حضور عربي شكلي غير فاعل، يجسده اليوم ممثل عن الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ فهذا الحضور هو ما يمنح الشرعية للاحتلال الأميركي، فيما يعجز عن تقديم أي عون عربي حقيقي للعراقيين. بعبارة أخرى، فإن الحفاظ على العراق وعروبته، وصون انتماء العراقيين إلى أمتهم، يستدعي وجود تمثيل عربي شامل من قبل كل الدول العربية وليس من خلال جامعة الدول العربية فقط.

والفارق الجوهري بين "التحدي" الذي اعتاد العرب ممارسته سابقا، وبين هذا التحدي والوقوف في وجه المشاريع الأميركية، أن الأخير سيكون تحدي إنجاز حقيقي؛ فبقدر ما سيشكل الوجود العربي في العراق رسالة تطمين ومساعدة للأشقاء العراقيين في محنتهم، بعد أن اختُزل العرب في صورة الزرقاوي وتنظيمه، فإن هذا الوجود سيكون أيضا رسالة إلى الأطراف الدولية والإقليمية الموجودة في العراق اليوم، بأن ثمة بقية باقية مما يجمع العرب باسم القومية، وهو ليس تجمع شعارات رنانة، بل تجمع يسعى فعلا إلى مد يد العون إلى العراقيين الاشقاء، على اختلافهم مذهبيا وعرقيا.

باختصار، يحتاج العرب، وكخيار مصيري، إلى منطقة خضراء عربية يمارسون من خلالها تأثيرا إيجابيا لأجل العراق والعراقيين، يوازن تأثير المنطقة الخضراء الأميركية، ومناطق خضراء أخرى غير معلنة وأكثر خطورة لأطراف إقليمية عديدة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق