منار الرشواني

الصفقة الإيرانية-الأميركية الكبرى

تم نشره في الخميس 20 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

دخلت إيران النادي النووي كعضو تاسع، بعد الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان، إنما من دون أن تجري تفجيرها النووي الأول، أو تعلن امتلاكها لقنبلة نووية من أي نوع أو حجم؛ أما السبب في الخروج عن ذلك البروتوكول التقليدي المتعارف عليه فليس إلا حقيقة أن حصول مثل هذا التفجير وولادة القنبلة النووية الإيرانية باتت مسألة وقت وتوفر إرادة سياسية إيرانية في هذا الاتجاه.

لكن هذين المحددين يشكلان بدورهما ساحة العمل الرئيسة المتاحتين للولايات المتحدة في سبيل منع وصول البرنامج النووي الإيراني إلى غايته القصوى غير المعلنة، أي تصنيع السلاح النووي، فأي خيارات عملية تمتلكها الولايات المتحدة في هذا المجال لتحقيق أهدافها، وبالتالي حماية أمنها وقبله أمن إسرائيل التي بات تدميرها الحديث "العاطفي" المفضل للرئيس الإيراني منذ أيامه الأولى في سدة الحكم؟

التقارير الصحافية، لا سيما ما نشره الصحافي الأميركي واسع النفوذ داخل الإدارة الأميركية، سيمور هيرش، في مجلة "نيويوركر" بتاريخ 14 نيسان الحالي، حول وجود خطط هجوم أميركي على إيران، هذه التقارير تبدو منسجمة مع طبيعة الإدارة الأميركية التي اثبتت أن تصرفاتها تخلو من أي منطق سوى منطق الاغترار بقوة عسكرية لا ينازعها أحد على قمتها. ومع ذلك، وباستثناء مجازفة إشعال المنطقة بكاملها، يبدو الخيار العسكري، ولأسباب كثيرة باتت معروفة للجميع، هو الخيار الأقل احتمالية أو إمكانية بالنسبة للولايات المتحدة، ليبقى عندئذ خياران لا ثالث لهما.

الخيار المنطقي الاول هو سعي الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات شاملة على إيران شبيهة بالحصار الذي فرض على العراق منذ غزوه الكويت في العام 1990 وسقوط النظام البعثي في العام 2003. لكن مثل هذا الحصار يظل رهنا بموافقة كل من روسيا والصين اللتين تسعيان، وعلى النقيض من ذلك، إلى استغلال الأزمة الأميركية-الإيرانية لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية على حساب الولايات المتحدة؛ وهي المكاسب التي ستتزايد بشكل غير مسبوق منذ انفراد الاخيرة بقمة هرم النظام العالمي في العام 1991 في حال قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات على إيران من طرف واحد، مخلية الساحة لكل من الصين وروسيا (والهند) وشركاتهما لتمارس نفوذا مطلقا في إيران.

إزاء ذلك، يبدو الخيار الأكثر منطقية بالنسبة للولايات المتحدة متمثلا في ما يطلق عليه كينيث بولاك -المسؤول السابق عن شؤون منطقة الخليج العربي والشرق الادنى وجنوب شرق آسيا في مجلس الامن القومي الأميركي- خيار "الصفقة الكبرى" القائمة على أساس تسوية شاملة للقضايا كافة العالقة بين إيران وأميركا.

بموجب "الصفقة الكبرى" التي تشكل بحق محل إجماع شبه مطلق بين الباحثين والمحللين السياسيين الأميركيين، ومعهم عدد متزايد باطراد من السياسيين من الحزبين، سيتعين على إيران، عبر تقديم ضمانات كافية للولايات المتحدة، وقف برنامجها النووي عند حدود الاستخدام السلمي للطاقة النووية؛ بالإضافة حتما إلى مطالب تتعلق بدعم الفصائل الفلسطينية الرافضة للتسوية السلمية مع إسرائيل، وإيجاد مخرج فيما يتعلق بسلاح حزب الله اللبناني. غير أن الأهم في هذه الصفقة هي المطالب الإيرانية التي لن تكون أبدا محلية، اقتصادية وسياسية، فحسب، وإنما ستكون قبل ذلك مطالب إقليمية.

فسريعا جدا عقب إعلانهم عن النجاح في تخصيب اليورانيوم "لأغراض سلمية"، كان المطلب الأول لكبار المسؤولين الإيرانيين هو الاعتراف بإيران دولة عظمى إقليمية! فماذا يعني مثل هذا المطلب بالنسبة للدول العربية؟!

أبسط مضامين هذا المطلب واستحقاقاته القادمة هو أن تكون إيران، بتواطؤ أو إقرار دولي، القوة التي تسد الفراغ الحاصل في المنطقة. والكارثة الحقيقية هنا أن سد الفراغ هذا لن يكون فقط في العراق المحتل كما هو حاصل الآن، وعلى حساب عروبته واستقراره؛ وأيضا، فإن إيران، وخلافا للصورة التي نجحت في رسمها إلى حد بعيد في الشارع العربي، لن تتولى سد فراغ إقليمي على مستوى الشرق الأوسط عبر موازنة القوة العسكرية الإسرائيلية، التقليدية والنووية، الكارثة تتمثل في أن إيران ستسد فراغا داخل النظام العربي الإقليمي ذاته، والأهم داخل دول عربية عديدة.

ففي مقابل نموذج الدولة العربية المتآكلة والضعيفة، ستكون إيران القوية و"الإسلامية" هي البديل الملهم عن سياسات ودول عربية فاشلة، ولتبدو أولى بوادر ومؤشرات هذا الدور في القرار الإيراني بتقديم دعم مالي للسلطة الفلسطينية بقيادة حماس لمواجهة الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها.

ويبقى السؤال: هل قرر العرب فعلا إخلاء الساحة لإيران وإسرائيل، وإعلان نهاية النظام العربي، على شكليته؟

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق