الفرصة المتاحة أمام هيو

تم نشره في الأربعاء 19 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

إن زيارة رئيس الصين هيو جينتاو القادمة إلى الولايات المتحدة، والتي كانت قد تأجلت في أعقاب إعصار كاترينا، سوف تكون مختلفة عن اللقاءات الثنائية السابقة. فهذه المرة سوف يلتقي الرئيسان في فترة من الاهتمام الأميركي المكثف بالتوازن التجاري بين الولايات المتحدة والصين، علاوة على بعض القضايا الاقتصادية الأخرى، مثل حماية حقوق الملكية الفكرية.

فبعد أن بلغ الفائض لدى الصين في تجارتها مع الولايات المتحدة مائتي بليون دولار أميركي في العام الماضي، أصبحت المشاعر الأميركية تتجه بقوة نحو فرض إجراءات صارمة. حتى أن بعض المحللين اقترحوا أن هذا الخلل في التوازن التجاري يرجع إلى ربط عملة الصين بالدولار الأميركي. ولقد نادى مشروع قانون جديد صادر عن الكونجرس الأميركي بفرض تعريفة جزائية مقدارها 27% على الواردات من الصين.

الحقيقة أن اختلال الميزان التجاري أكثر تعقيداً من قضية العملة في حد ذاتها. فقد أدت العولمة إلى تعزيز قدرة رأس المال على التدفق إلى أي مكان تعد فيه الاستثمارات بأعلى العائدات؛ وعلى نحو مماثل، فإن المنتجات المصنعة المنافسة القادمة من الكيانات الاقتصادية ذات الأجور المتدنية، سوف تتدفق في الاتجاه الآخر. وهذا هو السبب الذي يجعل المستثمرين الأميركيين، من بين آخرين، يفتتنون بالصين، وهذا هو أيضاً السبب الذي يجعل الناس في الولايات المتحدة يشترون المنتجات الصينية.

مما لا شك فيه أن سعر الصرف له تأثير على الاستثمار والتجارة. ولكن حتى في ظل الجهود التي تبذلها الصين لتخفيف ارتباط عملتها بالدولار، فإن الجدال قائم بشأن ما إذا كان رفع قيمة العملة الصينية قد ينقذ الوظائف الأميركية أو يحسن من ميزان الولايات المتحدة التجاري. فالصين ليست وحدها: فهناك الهند ودول أخرى نامية منافسة تفرض تحديات مشابهة على الولايات المتحدة.

ولكن بالنسبة للصين، على الرغم من ذلك، فإن الوقت الآن يبدو ملائماً للتأمل في كيفية رفع القيمة المضافة لصادراتها، علاوة على التركيز على حماية البيئة والحفاظ عليها. وعلى هذا فإن فرص التوصل إلى حل وسط يزيل مخاوف الطرفين المشروعة، أصبحت الآن متاحة. فحكومة الصين تسعى إلى رفع معدلات شرائها في الولايات المتحدة هذه الأيام، الأمر الذي سيؤدي إلى رفع سعر صرف عملتها ببطء ولكن على نحو مطّرد. وإن انتهاج سياسة متعقلة من قِـبَل الولايات المتحدة في التعامل مع الصين قد يتلخص في قبول مسألة رفع قيمة العملة بالتدريج، بدلاً من زيادتها بنسبة ضخمة بشكل مفاجئ، ذلك أن حيوية الاقتصاد الأميركي تنبع من إبداعه وليس من امتيازات أو تنازلات تقدمها حكومة الصين.

قد تكون قضية حقوق الملكية الفكرية أكثر صعوبة بالنسبة لهيو. والحقيقة أن الحملة التي تشنها الصين حالياً لاتخاذ إجراءات صارمة ضد القرصنة، تستحق التشجيع، ولكن هناك العديد من الأمور الأخرى التي تستحق الاهتمام. وبينما تتشكك حكومة الولايات المتحدة والشركات الأميركية في رغبة الصين وقدرتها على فرض مثل هذه الحقوق، فيتعين علينا أن نضع هذه القضية في سياقها التاريخي السليم. فحماية حقوق الملكية الفكرية ترتبط بالتنمية الاقتصادية، لذا فلابد وأن يكون التساؤل هنا حول ما إذا كانت الصين قد بلغت تلك المرحلة من النضج التي قد تصبح معها الحماية الفعالة أمراً ممكناً.

ثمة جانب إيجابي لمثل هذه المشاكل، ألا وهو أن نشوءها في حد ذاته يعكس العلاقات الثنائية الآخذة في التعمق والاتساع. والحقيقة أن التفاعل المتبادل بين الصين والولايات المتحدة كان في غاية القوة إلى الحد الذي جعل الرئيسين يلتقيان خمس مرات خلال العام الماضي. ومع أن هذه اللقاءات سلطت الضوء على النزاعات التجارية، إلا أنها أسفرت أيضاً عن تقوية أواصر التعاون بين الطريفين وأدت إلى تحقيق إنجازات على قدر كبير من الأهمية.

على سبيل المثال، تتقاسم الدولتان اهتماماً مشتركاً بجهود مكافحة الإرهاب، وكان التعاون بينهما قائماً بهدف ضمان إيجاد سياسة أمنية لاحتواء الإرهاب ومكافحة تهريب العناصر البشرية. كما كانت جهود الدولتين المنسقة لتحويل كوريا الشمالية بصورة سلمية عن مسارها النووي بمثابة المسوغ للتعاون الثنائي المشترك، حيث يستطيع كل من الطرفين أن يحدد خطراً أمنياً مشتركاً مع الطرف الآخر.

وعلى نحو مماثل، سنجد أن كلاً من الدولتين لديها مصلحة مشتركة في إيجاد نوع من الاستقرار في العلاقات بين الصين وتايوان. والحقيقة أن الصيغة الحالية المتمثلة في الحفاظ على الوضع الراهن، تشكل القاسم المشترك الأعظم بين الطرفين. وفي ظل هذا الفهم الإستراتيجي، فهناك أسباب وجيهة تجعلنا نتوقع أن تعمل محادثات هيو وبوش بشأن إقدام تايوان مؤخراً على حل مجلس الوحدة الوطنية، على تهدئة التوتر. والحقيقة أن الصين والولايات المتحدة ستجنيان الكثير من المكاسب بإحباط محاولات تايوان الرامية إلى الحصول على استقلالها.

ولكن في نظر الأميركيين، فهناك عدد من القضايا الأخرى المستمرة والتي تنشأ الآن في إطار العلاقات مع الصين. وتسلط إستراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها مؤخراً الضوء على ثلاث من هذه القضايا على نحو خاص: توسع الصين التجاري العالمي، وشفافيتها العسكرية، وعلاقاتها بالدول ذات الأنظمة الحاكمة "الفوضوية".

إن التكلفة السياسية المترتبة على التوصل إلى تسوية جادة بشأن هذه القضايا، قد تكون أعلى مما تتحمله الصين، ولكن لن يضرنا أن نحلل هذه القضايا وأن نجد السبل المناسبة لتعزيز الحوار بشأنها. ومن بين هذه القضايا الثلاث، فإن مسألة الشفافية العسكرية تبدو الأكثر حساسية وصعوبة في التعامل معها. ولكن نظراً للحجم الضخم للقوات المسلحة الصينية، التي يبلغ قوامها حالياً 2.3 مليون جندي، فإن الحساب التقريبي يشير إلى أن معدلات الإنفاق الشهري للجندي الواحد تبلغ في المتوسط 2500 يوان على الأكثر، وهو أجر منخفض إلى الحد الذي لا يسمح بتجنيد المزيد والحفاظ على قوة عسكرية قادرة على المنافسة. ولكن إذا ما كانت الصين ترغب في زيادة ميزانيتها العسكرية لتحسين كفاءة جيشها، فإن التضارب مع متطلبات الاستقرار المالي قد يجعل من الشفافية العسكرية أمراً على قدر كبير من الأهمية لأسباب داخلية، وقد لا تنظر الصين آنذاك إلى هذه القضية باعتبارها تجاوزاً لحدود العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة.

في المقام الأول من الأهمية، ينبغي علينا أن نضع في اعتبارنا دوماً النضج الذي حققته العلاقات بين الصين والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة. والعلاقة الثنائية الناضجة هي تلك العلاقة التي يمكن في إطارها مناقشة حتى أكثر القضايا صعوبة بصورة روتينية ومن دون تأخير. ومما لا شك فيه أن مثل هذا الإطار أصبح قائماً بالفعل في العلاقات مع الولايات المتحدة. ولسوف نرى الآن كيف سيستغل هيو هذا الإطار - وبالتالي الانطباع الذي سيخلفه على العلاقات الثنائية- في مواجهة التحديات الحالية.

شِن دينجلي العميد التنفيذي بمعهد الدراسات الدولية، ونائب مدير مركز الدراسات الأميركية بجامعة فودان.

خاص بـ" الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2006

التعليق