د.باسم الطويسي

برونو جوليار

تم نشره في الثلاثاء 11 نيسان / أبريل 2006. 02:00 صباحاً

بعد أربعة عقود على ثورة الطلاب عام 1968 التي شكلت في حينها نقطة تحول في تاريخ فرنسا المعاصرة، تقف فرنسا اليوم أمام مفترق طرق جديد يقوده مرة أخرى الطلبة الذين يتزعمهم شاب يدعى (برونو جوليار) لا يتجاوز عمره 25 عاما يذكر بالزعيم الطلابي الفرنسي (دانييل بونديت) الذي هز أوروبا والعالم من خلفها في نهاية الستينيات، ومرة أخرى ينجح المجتمع الفرنسي في اختبار إرادة القوى التقليدية وقدرتها على صناعة الأحداث وتغيير التاريخ. رغم كل ما يتردد حول فوضى الخرائط الاجتماعية والثقافية السائدة في العالم في أجواء عصف العولمة الاقتصادية والثقافية وما أوجدته من قوى وأدوات جديدة للتغيير وإدارة العالم.

يمسك (برونو جوليار) رئيس اتحاد الطلبة في فرنسا وخلفه أكثر من أربعة ملايين شاب من طلبة الجامعات والمدارس الثانوية زمام المبادرة التاريخية في هذه اللحظة من عمر هذه البلاد التي اعتاد العالم على مفاجآتها الكبرى. ليس في حقول الثقافة والفنون والفلسفة المتمردة وحسب، بل في تقدير وزن الشارع وقدرته على التغيير، وفي تصعيد القيادات الجديدة من الصفوف الخلفية؛ يتمثل هذا بقوة أمامنا اذا ما راقبنا جيدا كيف يتحكم هذا الشاب الصغير ورفاقه بمستقبل الطبقة السياسية الفرنسية الحالية التي تتبارى على كرسي الرئاسة الذي اقترب حسمه في عام 2007 القادم.

تعود جذور الأزمة الاجتماعية الفرنسية الى ثلاثة شهور قبل ان تتحول الى أزمة سياسية طاحنة وقودها الشباب وطلبة الجامعات والمدارس الثانوية في الوقت الذي من المتوقع ان تطحن هذه الأزمة سياسيين، وسيجني ثمارها سياسيون آخرون. وسبب الأزمة يعود الى ما يعرف بعقد العمل الأول الذي فرضه قانون جديد يمنح صاحب العمل الحق في فصل العامل لديه خلال العامين الأوليين دون إبداء الأسباب او المبررات، وتبرر الحكومة اليمينية موقفها بما سيوفره القانون الجديد من فرص عمل واسعة تسهم في حل أزمة البطالة المتفشية في أوساط الشباب الفرنسي الى جانب ما سيتيح من الفرص أمام الاقتصاد الفرنسي الذي يواجه منافسة كبيرة. في المقابل يرى الطلبة ونقابات العمال واليسار الفرنسي بأن القانون الجديد يشكل ضربة قاسية لحقوق العاملين ويمنع الاستقرار الوظيفي علاوة على كونه موجها في الأصل لكسر شوكة نقابات العمال اليسارية وتحجيم دورها السياسي أي ضرب الطبقة الوسطى؛ ومن المعروف ان الطبقة الوسطى الفرنسية هي الأكبر والأكثر تأثيرا في أوروبا، ولعلها صاحبة الدور النضالي الأكثر شهرة في العالم.

بالفعل استطاع جوليار ورفاقه حشد أكثر من ثلاثة ملايين متظاهر في حوالي مائة مدينة فرنسية واستطاعوا تعطيل 74 جامعة من اصل 84 جامعة وثلاث من بين كل أربع مدارس، وأدت هذه الاضطرابات الى إغلاق برج ايفل الشهير، وهو أمر يعد نادر الحدوث. وأثرت الأحداث على حركة السير والسكك الحديدية. المهم أن حركة الاحتجاج حافظت على الحد المعقول بابتعادها عن العنف وباعتمادها أدوات سلمية في التعبير عن مطالبها، وهي بذلك تقدم المزيد من الدروس والأدلة على قدرة المجتمع المدني المعاصر على التعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية بشكل سلمي يستحق الاقتداء.

شهدت فرنسا أنماطا متعددة لتحالف الطلبة والعمال منذ ثورة عام 1968 حينما عبر جيل بأكمله عن رغبته بالتغيير في الثقافة والتعليم والحياة وعن ضيقه من ترف الحياة الثقافية وجدل الاكاديمين الذي لم ينزل من أبراجه العاجية الا على هدير غضب الطلاب، وفي عام 1995 اجبر رئيس الوزراء (الآن جوبيه) على الاستقالة على اثر الحركة الشعبية التي قادها الطلاب والعمال، وفي عام 2003 حمل العمال والطلاب لواء المبادرة ضد قوانين التقاعد، ومرة أخرى اجبر الشارع الفرنسي رئيس الوزراء (رافاران) على الاستقالة.

وبانتظار ما تسفر عنه حركة الاحتجاج في فرنسا من نتائج، فإن الطالب (برونو جوليار) سيعود الى جامعته بالتأكيد بكامل كرامته وباحترام الجميع، ولن يذهب خلف الشمس او يختفي عن الوجود، ولن تلاحقه ألف فرقة اغتيال، ولن تنتقص حقوقه في العمل حسب قانون دوفليبان او غيره! بانتظار مصير هذا القانون سيبقى الفرنسيون يحتجون ويعبرون عن غضبهم بأدواتهم السلمية ما استطاعوا الى ذلك سبيلا، وسنبقى نحن في هذا الشرق العربي نستمع للأخبار من بعيد وقريب، ونعلل النفس بها لعلنا ندرك ذات يوم ان الاحتجاج السلمي أداة للتعبير عن الحياة قبل السياسة.

[email protected]

التعليق