الصدام العاطفي بين الحضارات

تم نشره في السبت 8 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

 منذ بدأت الحرب المزعومة ضد الإرهاب وحتى الآن، كانت فكرة "صدام الحضارات" بين الإسلام والغرب تُستبعد عادة باعتبارها مغالطة سياسية وتوجهاً فكرياً غير حكيم. وبدلاً من هذه الفكرة، كانت أكثر التفسيرات شيوعاً تتلخص في أن العالم قد دخل عصراً جديداً يتسم بالصراع "داخل" حضارة ما، أو الإسلام على وجه التحديد، حيث المسلمون الأصوليون المتعصبون في حرب ضد المسلمين المعتدلين، لا تقل ضراوة عن حربهم ضد الغرب.

وكانت الخلاصة الإستراتيجية المستمدة من هذا التحليل واضحة، وتتسم بالطموح، ويمكن تلخيصها بسهولة في ضرورة التحول إلى الديمقراطية. فإذا كان غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي هو سبب المشكلة، فإن الحل يكمن في جلب الديمقراطية إلى "الشرق الأوسط الكبير"، وكان واجب الولايات المتحدة التاريخي، باعتبارها الدولة الأكثر قوة والأشد التزاماً بالأخلاق بين دول العالم، إن تحدث التغيير المطلوب. كان الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وكان فرض الديمقراطية، سواء بتغيير الأنظمة أو بدون تغييرها، البديل الأوحد للفوضى وتفشي الأصولية المتعصبة.

اليوم ربما تكون العراق على حافة الحرب الأهلية بين الشيعة والسُـنّة. وإيران تحت قيادة رئيس جديد وأكثر تعصباً، تتحرك بصورة يستحيل مقاومتها نحو امتلاك القدرة النووية. وفي فلسطين أسفرت عملية انتخابية حرة عن صعود حماس إلى السلطة. أما الأحداث المؤسفة المرتبطة بالرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الصحيفة الدنمركية فقد أظهرت لنا طبيعة العلاقات التي تكاد تكون قابلة للاشتعال في أي لحظة بين الإسلام والغرب.

كل هذه التطورات تمهد الطريق إلى تفسيرات جديدة. فبدلاً من "صدام الحضارات" ربما نجد أنفسنا في مواجهة صراع متعدد الطبقات، تتفاعل طبقاته فيما بينها على نحو يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم.

يبدو الأمر في الحقيقة وكأن العالم يشهد صراعاً ثلاثياً. فهناك صدام داخل الإسلام ذاته، وهو صدام يهدد بإحداث نوع من عدم الاستقرار الإقليمي إذا ما انتشر العنف السائد في العراق إلى الدول المجاورة. هناك أيضاً صدام يحسن بنا ألا نصفه بأنه بين الإسلام والغرب، بل هو صدام بين عالم علماني وعالم ديني تتسع رقعته باستمرار. وإذا ما انتقلنا إلى مستوى أكثر تعمقاً وأكثر تراجعاً إلى الوراء، فسند صداماً عاطفياً بين حضارة من الخوف وحضارة من الشعور بالمهانة والخزي.

إنه لمن قبيل الإفراط في التبسيط إلى حد يثير الاشمئزاز أن نتحدث كما يفعل بعض الناس عن صدام بين الحضارة والهمجية. فنحن في الواقع نواجه انقساماً آخذاً في الاتساع بشأن دور الدين في المجتمع، وهو انقسام حادث بين الغرب (باستثناء الولايات المتحدة باعتبارها حالة معقدة) وبين قسم كبير من بقية العالم (الصين هي الاستثناء الأكثر وضوحاً هنا)، والعالم الإسلامي بصورة خاصة.

هذا الانقسام يرتبط بكيفية تعريف الدين لهوية الفرد داخل المجتمع. وفي وقت حيث أصبح الدين يكتسب أهمية متزايدة في أجزاء أخرى من العالم، فقد نسينا نحن الأوروبيين إلى حد كبير ماضينا الديني (الحافل بالعنف وعدم التسامح)، وأصبحنا نجد صعوبة في فهم الدور الذي قد يلعبه الدين في الحياة اليومية للآخرين.

على نحو ما، يمثل هؤلاء "الآخرون" الماضي الذي دفـنّاه. وفي ظل توليفة من الجهل، والتحيز، والخوف في المقام الأول، أصبحنا "نحن" نخشى أن يرسم لنا "الآخرون" مستقبلنا. فنحن نعيش في عالم علماني، حيث قد تتحول حرية التعبير بسهولة إلى استهزاء يعوزه الحس السليم ويفتقر إلى الشعور بالمسؤولية، بينما ينظر "الآخرون" إلى الدين باعتباره هدفهم الأسمى، إن لم يكن ملاذهم الأخير. لقد جربوا كل شيء، من القومية إلى الإقليمية، ومن الشيوعية إلى الرأسمالية. وما دام كل ذلك قد فشل فلم لا يأخذ الدين فرصته؟

لا نستطيع أن نقول إن العولمة هي التي خلقت هذه الطبقات من الصراع، لكنها عجلت بنشوئها بأن جعلت الفروق أكثر وضوحاً وصراحة. وفي عصر العولمة فقدنا ميزة - بل وفضيلة- وهي ميزة الجهل. فقد أصبحنا جميعاً نرى وندرك كيف يشعر "الآخرون" ويتفاعلون، ولكن من دون القدر الأدنى من الأدوات التاريخية والثقافية اللازمة لفهم هذه التفاعلات وفك مغاليقها. لقد مهدت العولمة الطريق إلى عالم تهيمن عليه دكتاتورية العواطف- والجهل.

ويتفاقم صدام العواطف في حالة الإسلام. ففي العالم العربي بصورة خاصة تسيطر على الإسلام ثقافة المهانة التي تستشعرها الشعوب والأمم التي تعتبر أنفسها أول الخاسرين وأسوأ الضحايا لنظام دولي جديد يفتقر إلى العدالة. ومن هذا المنظور يصبح الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي نموذجاً مثالياً لهذه المشاعر. فلقد بات ذلك الصراع يشكل نوعاً من الوسواس.

ليست المسألة أن العرب والمسلمين يهتمون إلى حد كبير بالفلسطينيين حقاً. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فقد ترك العالم الإسلامي الفلسطينيين دون دعم حقيقي لعقود من الزمان. لقد أصبح الصراع بالنسبة لهم في واقع الأمر استمراراً أبدياً لنظام استعماري ظالم وقائم على مغالطات تاريخية، وبات يعبر عن استيائهم على الصعيد السياسي، ويجسد الاستحالة الظاهرية لقدرتهم على التحكم في مصائرهم.

يرى العرب (وبعض المسلمين) أن قوة إسرائيل وقدرتها على التكيف من بين العواقب المباشرة لضعفهم، وانقسامهم، وفسادهم. وقد لا يؤيد أغلب العرب تنظيماً مثل القاعدة، لكنهم لا يعارضونه من أعماق قلوبهم. بل قد نجد إغراءً يدفع بعض العرب إلى النظر إلى أسامة بن لادن باعتباره نمطاً عنيفاً من روبين هوود، الذي على الرغم من استحالة التسامح مع تصرفاته رسمياً، إلا أنه ساعد في إيجاد نوع من الشعور باستعادة الكرامة العربية لدى بعض الناس.

وهنا، ربما نجد صدام الحضارات الحقيقي: والذي يتجسد في الصراع العاطفي بين ثقافة الخوف الأوروبية وثقافة الشعور بالمهانة لدى المسلمين، وبصورة خاصة العرب. وإنه لمن الخطورة بمكان أن نستهين بعمق انقسام عاطفي بهذا الاتساع. فالاعتراف بوجود هذا الانقسام يشكل الخطوة الأولى نحو التغلب عليه وتجاوزه. لكنها لن تكون بالمهمة السهلة، لأن تجاوز الصدام العاطفي بين الحضارات يستلزم الانفتاح على "الآخر"، وهي خطوة قد لا يكون أي من الجانبين مستعداً لاتخاذها حتى الآن.

دومينيك مويزي أحد مؤسسي وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، وهو حالياً أستاذ في جامعة أوروبا في ناتولين بوارسو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق