منار الرشواني

محنة فلسطينيي العراق

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

نصر آخر يتحقق لإسرائيل، الأهم فيه أنه نصر غير متوقع لم تسع إليه أو تفكر فيه اصلا، وقوده فلسطينيون منسيون في العراق منذ عام النكبة 1948، أو عام النكسة 1967. فبين القتل والإرهاب المنظم بهدف التهجير إلى أرض التيه، أو ما تطلق عليها وسائل الإعلام الأجنبية "no man's land"، يبدو أن الجميع، بما في ذلك المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والأونروا، ينسون أو يتناسون المسؤول الأول عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين في العراق وغيره، بفصولها المختلفة والممتدة، وهي إسرائيل، بحيث تم اختزال القضية في ما يحدث في العراق ومواقف دول جواره بشأن السماح لهؤلاء اللاجئين بالدخول إلى أراضيها من عدمه.

هي بالتأكيد مناسبة للتذكير بمأساة اللاجئين الفلسطينيين عموما، لكن حتى يظل هناك من نذكّر بوجودهم فعلا، لا بذكرى وجودهم وحياتهم، فإن الأولى الآن إيقاف "استئصال" هؤلاء الفلسطينيين بحسب تعبيرات "فرقة يوم الحساب" التي تتولى العملية، من التهديد إلى القتل في حال لم يغادر الفلسطينيون أماكن تواجدهم في العراق "بالحسنى"! وعند هذه القضية تبدو محنة فلسطينيي العراق مناسبة "نموذجية" بدورها لاختبار العدو والصديق والحليف في العراق.

قد يتراءى للوهلة الأولى أن مهمة حماية الفلسطينيين في العراق مهمة أشبه بالمستحيلة، ليس فقط بسبب قلة عدد هؤلاء وضعف إمكاناتهم في ظل انفلات أمني كامل لا يستثني عرقا أو طائفة أو مذهبا، بل ايضا لأنه لا تبدو أي مصلحة للولايات المتحدة، المسؤولة باعتبارها قوة احتلال، في حماية هؤلاء الفلسطينيين، هذا إن لم يكن العكس تماما؛ بمعنى أن إعمال القتل بحق الفلسطينيين يساهم في تعميق الهوة بين العراق والعالم العربي، الأمر الذي لا يتناقض أبدا مع سياسة الولايات المتحدة هناك، كما تدل على ذلك مؤشرات كثيرة. لكن في خضم كل هذه الاخبار السيئة، ثمة ما هو مفرح، وهو أكثر من بقعة ضوء في نهاية النفق.

فإذا كانت الولايات المتحدة غير مسؤولة عن عمليات قتل الفلسطينيين في العراق وترهيبهم وتهجيرهم، فإنها بنفس القدر أيضا، ومعها الحكومة العراقية التي كان قد تعهد وزير خارجيتها، في مؤتمر القمة العربية الأخير بالخرطوم، بإيقاف الاعتداء على الفلسطينيين إنما دون نتيجة، ليست القوة الأهم على الأرض، والدليل هو الانفلات الأمني الشامل هناك؛ أما القوة الحقيقية فتتمثل في الواقع في المليشيات المسلحة على اختلافها، عقائديا ومذهبيا.

تهمة الفلسطينيين أنهم ساندوا نظام الرئيس السابق صدام حسين، ليبدو من غير المعقول أن يكون قتلهم من أنصار ذلك النظام. ومن ناحية أخرى، فإن الأكثرية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين هم من السنة، بحيث يبدو من المستحيل استهدافهم من قبل المقاتلين العرب. إذن لم يبق -وهذا هو السر المذاع- إلا أن تكون "فرقة يوم الحساب" وسواها من الشيعة؛ وعند هذه الحقيقة لا يعود مهما على الإطلاق لأي فصيل أو حزب عراقي تتبع، طالما أن جميع الفصائل والأحزاب العراقية الشيعية تحتفظ بعلاقات أكثر من وثيقة مع إيران ما مكنها من أن تكون لها اليد الطولى في شؤون العراق، وهي بالتالي ومن دون أي مبالغة من يستطيع إيقاف معاناة فلسطينيي العراق أو أن تتحمل المسؤولية مباشرة عن صمتها باعتباره رضى عما يحدث، وليشترك معها في هذه المسؤولية وبنفس الدرجة كل من حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والنظام السوري، وحزب الله اللبناني!

فالأطراف السابقة تحتفظ بعلاقات تكاد تكون استراتيجية مع إيران، في نفس الوقت الذي تعلي فيه في خطاباتها كلها من شأن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب والمسلمين الأولى. وحماس تحديدا، وقبيل أيام قليلة من توليها قيادة السلطة الفلسطينية، كان رئيس مكتبها السياسي، خالد مشعل، يعلن من طهران وقوفه إلى جانب إيران في مواجهة أي عدوان تتعرض له، فيما عرضت إيران تقديم دعم للسلطة الفلسطينية التي تقودها حماس ردا على قطع المساعدات الغربية عنها.

فهل تستطيع هذه الأطراف العربية، متفرقة أو مجتمعة، مطالبة إيران بالتدخل لحماية الفلسطينيين في العراق؟ هي مناسبة لاختبار الصديق والحليف، كما اختبار القومية.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق