منار الرشواني

إيران النووية والصمت العربي!

تم نشره في الاثنين 3 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

إذا كانت هناك قلة قليلة جدا، تمثل دوائر صنع القرار في الدول العربية، قادرة على تحديد طبيعة المواقف العربية المتباينة في كل دولة منها فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وبالتالي الجهود التي تتبع تلك المواقف خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة، فإن الموقف العربي الموحد والمعلن على هذا الصعيد يقوم على مبدأ "الصمت" المطلق أو شبه المطلق، كما تم التعبير عنه مؤخرا وبكل وضوح من خلال البيان الصادر عن مؤتمر القمة العربية الأخير في الخرطوم، وذلك باكتفاء البيان بالتأكيد على رفض الدول العربية "التام لوجود أسلحة نووية أو أي أسلحة دمار شامل لدى أي دولة في منطقة الشرق الأوسط"، واقتصار الإشارة هنا إلى إسرائيل دون سواها، وضرورة انضمامها إلى معاهدة "منع انتشار الأسلحة النووية". ولا يكسر هذا الصمت سوى زيارات إيرانية لدول عربية يستقبل فيها المسؤولون الإيرانيون بحفاوة بالغة قد تليق بمسؤولي دولة عظمى إقليمية.

لكن هذا الصمت العربي الرسمي، الغامض بقدر غموض البرنامج النووي الإيراني، يرقى في نتائجه على أرض الواقع إلى مستوى الدعم، لا للبرنامج النووي الإيراني فحسب، بل ولكل السياسات الإيرانية في المنطقة، على تنوعها وامتدادها، وبكل ما تشكله من تهديد للمصالح العربية، وليس السبب سوى أن أحد أهم نتائج هذا الصمت هو تزايد شعبية إيران لدى الشعوب العربية، الأمر الذي يشكل بدوره أحد أخطر أشكال الدعم العربي لإيران. أما سر هذه الشعبية، التي يمكن لأي كان تلمّسها ومشاهدة مؤشراتها وقراءتها في مقالات عربية عديدة، هو المقارنة الخاطئة حد الخطيئة بين امتلاك إسرائيل "العدو" فعلا لأسلحة نووية تقدّر على الأقل بمائتي رأس نووي، وبين إيران "الإسلامية" التي طالما اعتبرت الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر"، وناصبت إسرائيل العداء؛ أو بما يمكن تلخيصه على الاقل بمقولة "عدو عدوي صديقي"!

لكن إذا كان لهذه المقولة أن تكون صحيحة من وجهة نظر إيران، التي تحاول استغلال العداء العربي المتزايد للولايات المتحدة وإسرائيل نتيجة ما يجري في العراق وفلسطين، وبالتالي تأييد سعيها "المشروع" إلى امتلاك برنامج نووي، فإن التاريخ في المقابل يكشف جليا مواقف إيران، سواء أكانت "إيران الشاه" أو "إيران الثورة" من القضايا العربية! وبما يمكن من القول إنه حتى لو  صح -واسباب الشك كثيرة وكثيرة جدا- أن إيران عدو لإسرائيل، فإنها (إيران) بالتأكيد ليست صديقا للعرب، وإن تحالفت مع نظام عربي "قومي!" هنا أو حزب عربي أو إسلامي هناك. وإذا كان من حاجة إلى دليل على الوعي العربي المفصوم فليس هناك من دليل أكثر وضوحا وإيلاما من العراق.

فالغالبية العظمى من هؤلاء الذين يخوضون معركة إيران النووية بالوكالة، ولو إعلاميا وشعبيا، مدافعين عن حقها بامتلاك قدرات نووية مساواة بإسرائيل أو نكاية بها وبالولايات المتحدة، هؤلاء ذاتهم هم من يستصرخون العرب خوفا على عروبة العراقية المضاعة! ليكون السؤال: ومن يسلب العراق عروبته فعلا؟ هل هم الأكراد، أم تركيا، أم إيران؟ طبعا، الجميع يعرف الإجابة، ولم يكن ينقص البعض ليروا الشمس في الظهيرة إلا مفاوضات إيرانية-أميركية بشأن العراق!

لا يمكن للعرب أن يكونوا مزدوجي المعايير -كما يتهمون الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا- في تعاملهم مع إيران، وعليهم أن يختاروا بين موقفين: إما الصمت على البرنامج النووي الإيراني وترك الساحة مفتوحة للشعبويين بما يعزيز شعبية إيران في العالم العربي والإسلامي، وهنا سيكون العراق وعروبته هما حتما الثمن المعجل -وليس الأخير بالتأكيد- الذي يتم دفعه لإيران لمجرد مناكفة أميركا، وإما أن يعلن العرب أن إيران دولة ذات مطامح إقليمية تتناقض بالتأكيد وكأمر طبيعي مع مصالحهم بل وحتى مع عروبهم ذاتها.

وإذا كان لا بد من قطع الشك باليقين، فإن امتلاك إيران برنامجا نوويا إنما يشكل تهديدا للأمن العربي لا يقل خطورة عن نظيره الإسرائيلي، هذا إن لم يفقه بسبب التداخل الطائفي في المنطقة. أما إن كان هناك من مقارنة صحيحة، فهي ببساطة أن من حق العرب امتلاك قدرات نووية أسوة بدول المنطقة الأخرى.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق