منار الرشواني

الصراع على المرأة

تم نشره في الجمعة 10 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

درج الباحثون والكتاب في العالم العربي خصوصا، إضافة إلى الباحثين والكتاب الغربيين، على استخدام تعبير "المرأة العربية"، وصولا أحيانا إلى التعبير الأوسع وهو "المرأة المسلمة". لكن التباين الواسع في أوضاع المرأة داخل العالم العربي، وعلى مستوى ثان داخل العالم الإسلامي ككل، يطرح التساؤل حول مدى دقة هذين التعبيرين.

وعلى سبيل المثال، وفيما لاتزال المرأة العربية تخوض معركة حقوقها في المملكة العربية السعودية على مستوى السماح لها بقيادة السيارة من عدمه، تصل حقوق هذه المرأة في دول عربية أخرى حد المساواة في الزواج، طلاقا ومنعا لتعدد الزوجات، كما في تونس؛ هذا بالإضافة إلى مطالب المساواة مع الرجل في الميراث. وعلى صعيد المشاركة السياسية، ولا سيما حق الانتخاب والترشح للهيئات التمثيلية كافة، فيبرز النموذجان الباكستاني والبنغالي حيث تعتلي المرأة سدة الحكم، في مقابل شد وجذب حول الحق ذاته في الكويت؛ فيما يبدو الأردن في موقع وسطي بسعيه إلى إقرار كوتا نسائية على صعيد الانتخابات البلدية بعد الانتخابات النيابية لضمان تمثيل المرأة.

دلالة هذا التباين داخل العالم العربي، وفيما بينه وبين العالم الإسلامي، ليست دلالة بحثية منهجية تتوجب مراعاتها في التحليل والقياس، إذ يظل التقييم العام لواقع المرأة العربية غير باعث على التفاؤل بشكل عام، بل هي دلالة ذات أهمية محورية في تفسير سبب تراجع مكانة المرأة في العالم العربي؛ فالقاسم المشترك بين كل الأمثلة السابقة هو تجاوز قضية شرعية المشاركة المجتمعية والسياسية للمرأة، وبعبارة أوضح لم تعد مطروحة بشكل جدي وحقيقي إشكالية تعارض حقوق المرأة الاساسية –ولا سيما المشاركة السياسية- مع الإسلام؛ فحتى في النموذج السعودي الذي يظهر باعتباره الأكثر تشددا على هذا الصعيد، فإن عدم مشاركة المرأة السعودية في أول انتخابات بلدية في هذا البلد تم إرجاعه إلى اسباب تنظيمية (لوجستية) وليست دينية مبدئة أبدا. وبناء على ذلك، وخلافا للقول إن حقوق المرأة باتت "رمزا للنزاع بين القوى الدينية والعلمانية"، بات من الضروري البحث عن أسباب أخرى لتفسير حالة الجمود، او حتى الانتكاسات التي تعاني منها المرأة العربية بشكل عام.

فمن الصحيح تماما أن قضية المرأة رمز صراع ونزاع، لكنها ليست بالضرورة صراعا بين إسلاميين وعلمانيين، كما أنها ليست مجرد صراع داخلي.

أبرز أطراف الصراع على المرأة وقضيتها ليست سوى الولايات المتحدة الأميركية، بحيث لا يكاد يخلو خطاب أو مبادرة أميركية موجهة إلى العالمين العربي والإسلامي من التأكيد على قضية تمكين المرأة، ناهيك عن المشاريع الكثيرة التي تمولها الإدارة الأميركية في على هذا الصعيد.

وإذا كان تفسير الاهتمام الأميركي المحموم بالمرأة وحقوقها هو مسألة على درجة كبيرة من الأهمية بما يستدعي الدراسة المتأنية التي لا يتسع لها المقام هنا، إلا أنه وبغض النظر عن حقيقة الأهداف، أدى هذا الاهتمام إلى الإضرار بقضية المرأة ذاتها، لا سيما بإذكاء صراع عربي وإسلامي داخلي بشأنها.

يمكن إرجاع بداية الصراع على المرأة وقضيتها في العالم العربي إلى مرحلة مبكرة من نشأة الدولة العربية، وتحديدا في فترة غياب الديمقراطية. ولم تكن المرأة العربية إلا احدى ساحات الصراع التي شملت فئات اجتماعية أخرى، ولا سيما المهنيون والطلبة. وقد اتخذ هذا الصراع أحد شكلين في الغالب: تغييب المرأة ومنظماتها، بما يعني صراحة أو ضمنا اعتبارها في صف المعارضة؛ أو الحفاظ على حضورها (المرأة ومنظماتها) شكليا من خلال إلحاقها بالسلطة بشكل كامل. وإذا كان كلا الشكلين السابقين يندرجان في إطار الصراع مع المعارضة، فإن الشكل الثاني يبدو مهما إلى وقتنا الحالي من ناحية هدفه؛ ذلك أن الحفاظ الشكلي على تمثيل المرأة والابقاء على مؤسساتها (وكذلك النقابات المهنية، واتحادات الطلبة والعمال والفلاحين، وغيرها)، في الأنظمة الثورية الشمولية تحديدا، إنما كان أيضا سلاحا في معركة إبراز الصورة المثالية للمجتمع الاشتراكي "المعبر عن الشعب بفئاته كافة"!

فمع صعود نجم الديمقراطية واعتبار تمكين المرأة أحد أهم أركانها ومؤشراتها، بدت قضية المرأة، ومنذ مرحلة مبكرة، ساحة صراع رئيسة بين السلطة والمعارضة ضمن الصراع لأجل الديمقراطية، أو بعبارة أدق في نقل صورة ديمقراطية إلى الخارج. ويمكن التدليل على هذه الحقيقة من تجارب بعض الدول العربية التي سنت أكثر القوانين والأنظمة "تقدمية" على صعيد الأحوال الشخصية، وبما يضاهي تلك الموجودة في الغرب، لكن مع شبه تغييب للتعددية السياسية والانتخابات وغيرها من مؤشرات، لتبرز الخشية ربما من اختزال منظومة الديمقراطية الكاملة في قضية حقوق المرأة، رغم أن هذه الأخيرة هي أحد أركانها، أو حتى محاولة إحراج السلطة وحرمانها من اي خطوة تبدو إيجابية على صعيد صورتها في الداخل والخارج، ليكون الثمن هو الكثير من الحقوق العادلة والمستحقة للمرأة، ايا كانت الذرائع والحجج، وسواء أكانت الدين والشريعة أو العادات والتقاليد أو عدم الرضوخ للضغوط والأجندات المفروضة من الخارج!

لكن في خضم الصراع على المرأة، يجب أن يظل حاضرا في الذهن أن حقوق المرأة هي جزء من حقوق المجتمع ككل، وهي جزء من معركة صورة العرب والمسلمين في الخارج، بما يعني عدم جواز التضحية بهذه الحقوق لأسباب سياسية أو حتى للمناكفة؛ فاي تقدم على هذا الصعيد هو تقدم للمجتمع ككل، ولو تأجل قطف الثمار لبعض الوقت.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق