المسلمون الأفارقة في العالم الإسلامي

تم نشره في الخميس 9 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

اجتاحت نيجيريا أعمال العنف الدينية التي اندلعت بسبب الرسوم الكاريكاتورية التي تصف الرسول الكريم محمد والتي نشرت في صحيفة دنماركية منذ عدة أشهر. بدأ العنف في المدينة النيجيرية الشمالية مايدوجوري أثناء احتجاج نظمه المسلمون ضد الرسوم الكاريكاتورية، حيث سجلت الجمعية المسيحية في نيجيريا مقتل ما لا يقل عن خمسين مسيحياً. وجاءت الردود الانتقامية سريعة، فقتل ما لا يقل عن خمسين مسلماً خلال ثلاثة أيام من العنف في المدينتين الجنوبيتين أونيتشا وإينوجو (اللتين تسكنهما أكثرية من المسيحيين).

والحقيقة أن الاحتجاجات النيجيرية ضد الرسوم الكاريكاتورية (وهي الأعنف حتى الآن في أفريقيا) تطرح سؤالاً مهماً: ما هو دور ووضع المسلمين الأفارقة (أو على نحو أكثر دقة، المسلمين الأفارقة في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى) في "العالم الإسلامي"؟ وحين يستخدم الناس في بقية العالم مصطلح "العالم الإسلامي" فهل يضمون إلى ذلك العالم المسلمين الأفارقة في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا، أم هل يعنون بذلك المصطلح المسلمين في الشرق الأوسط وآسيا فقط؟

إن مسلمي جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا لا يشتركون في العديد من الصفات مع المسلمين في أجزاء أخرى من العالم، وبصورة خاصة المسلمين في العالم العربي. ذلك أن المسلمين الأفارقة في جنوب الصحراء الكبرى أقل ثقة في الذات، وهم يواجهون قدراً أكبر من المصاعب في محاولة التعبيرعن حقوقهم والمطالبة بها، وتوطيد وجودهم في البلدان والمناطق التي يعيشون فيها.

ينشأ جزء من الصعوبة من معضلة الهوية الإفريقية الأبدية. فقد وصفت أفريقيا بأنها قارة مبتلاة بإرث رهيب، والمسلم الإفريقي أيضاً يعاني من شخصية منقسمة. فهو لابد أن يقرر ما إذا كان مسلماً أولاً، ثم عضواً في قبيلته، ولنقل قبيلة الهاوسا، ثم فرداً في دولته، ولنقل نيجيريا. وعلى الرغم من أن ممارسة الإسلام قوية في نيجيريا، إلا أننا سنجد حضوراً واسع النطاق للطقوس الإفريقية التقليدية في المراسم الاحتفالية مثل طقوس الزفاف والجنازة. فمن الشائع في قبيلة لوهيا في غرب كينيا على سبيل المثال، أن ينحر المسلمون الذبائح أثناء الجنازات، حتى على الرغم من عدم وجود أي نص أو تقليد كهذا في الإسلام.

والمسلمون في العديد من دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا من الأقليات. وهم لا يشكلون تواجداً ضخما، على عكس الحال في نيجيريا حيث نجد أنه حتى بعض الولايات ذات الأكثرية المسلمة في الشمال قد طبقت الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يجعلها ولايات إسلامية على نحو أو آخر. ومع ذلك فإن جمهورية نيجيريا الديمقراطية دولة علمانية، مثلها في ذلك مثل دول جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية كافة.

الإرث الاستعماري أيضاً من بين العوامل التي تساعدنا في فهم الطبيعة السلبية نسبياً للمسلمين في جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. فقد كان ترسيم الحدود على نحو اعتباطي استبدادي من قِـبَل القوى الاستعمارية سبباً في الجمع من غير تمييز بين مجموعات عرقية مختلفة، ربما اشتهرت تاريخياً بالعداوة فيما بينها، في دولة واحدة. كما عمل الاقتصاد السياسي الاستعماري على تركيز عمليات "التنمية" في المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، بينما أهمل المناطق التي تفتقر إلى الموارد وأهل تلك المناطق، الذين كانوا من المسلمين في كثير من الأحوال.

وعلى هذا فقد أصبحنا نرى أكثرية سكانية مسلمة فقيرة نسبياً بين قبائل الهاوسا في شمال نيجيريا، وأكثربية سكانية مسيحية ثرية نسبياً من قبائل الإبو في المناطق الغنية بالنفط في جنوب نيجيريا؛ وأكثرية سكانية مسيحية ثرية نسبياً في وسط كينيا، وأكثرية سكانية مسلمة فقيرة نسبياً في منطقة الساحل والأقاليم الشمالية؛ وهكذا. وبما أن القوى السياسية تميل إلى التركز في مناطق القوة الاقتصادية، فقد أصبح التمثيل السياسي للمسلمين الأفارقة في جنوب الصحراء الكبرى ضعيفاً للغاية في ظل تلك الأنظمة السياسية المركزية في أكثر الأحوال.

فضلاً عن ذلك فقد اضطر المسلمون في هذه الدول، التي يملك ثرواتها فئات محددة في أكثر الأحوال، إلى اللجوء بصورة أكبر إلى قومية عرقية متنافرة ومحدودة، سعياً إلى التمتع "بثمرات الاستقلال"، وبالتالي اكتساب أي تمثيل سياسي يمكنهم نيله. ولقد أدى ذلك إلى مشكلة مرتبطة بهذا الوضع في الدول التي تقع على سواحل المحيط الهندي: حيث نجد الفرقة بين المسلمين المستعربين الذين يقطنون المناطق الساحلية والمسلمين الأقل استعراباً الذين يقطنون المناطق الداخلية. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن المسلمين الأفارقة المستعربين الذين يقطنون على طول السواحل الكينية والتنزانية (بما في ذلك جزيرة زنزبار) يعتبرون أنفسهم "أكثر إسلاماً" من مسلمي الداخل الأقل استعراباً.

وعلى هذا فقد ظل التمثيل السياسي للمسلمين في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا محدوداً للغاية. والإسلام السياسي يكاد يكون ظاهرة غير معروفة في هذه المنطقة (فالحزب الإسلامي في كينيا على سبيل المثال لم يعتبر قط حزباً رسمياً)، وكانت المنظمات الإسلامية تركز غالباً على الضمان الاجتماعي ونيل الحقوق.

لكن مسلمي جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، مثلهم في ذلك كمثل أكثر المسلمين في العالم يتبنون عقلية "نحن في مواجهة الآخر". وحين يشكل المسلمون أقلية فإنهم يميلون إلى التعايش السلمي مع أصحاب الديانات الأخرى، ولكن حين يكون تعدادهم ضخماً (كما هي الحال في نيجيريا)، فإنهم ينزعون إلى إثبات ذاتهم. وأياً كانت الانقسامات العرقية أو الانقسامات الواردة من أي نوع آخر، فقد لعبت عقلية "نحن في مواجهة الآخر" دوراً هائلاً في إثارة الصراعات الدينية في نيجيريا.

على الرغم من ذلك إلا أن نيجيريا (وربما زنزبار) تظل تشكل استثناءً فيما يتصل بنزعة توكيد الذات الإسلامية في الدول الإفريقية الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى، وهذا هو السبب الذي يجعل "العالم الإسلامي" الفاعل لا يتضمن إلا قسماً محدوداً نسبياً من المسلمين الأفارقة في دول جنوب الصحراء الكبرى. وسواء شاؤوا أو أبوا، فإن أكثرية المسلمين الأفارقة في جنوب الصحراء الكبرى تمثلهم في أغلب الأحوال دول علمانية، أو مسيحية، أو دول تسودها ديانات أخرى.

علي باهاتي جوما دارس بجامعة نيروبي في كينيا.

 

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق