منار الرشواني

الديمقراطية أو الحرب الأهلية

تم نشره في الخميس 2 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

من حق كثيرين النظر إلى كارثة تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء، وما تبعها من تفجيرات وقتل وتدمير طائفي، باعتبارها الرسالة الأكثر وضوحا وكارثية حول مضمون الديمقراطية الأميركية القادمة على ظهر الدبابات والصواريخ. ومع كل هذا الوضوح الدموي، بات يتوجب على أشد أنصار الديمقراطية وطنية مراجعة حساباتهم، وهم في ذلك لا يملكون إلا الاختيار بين بديلين لا ثالث لهما: استمرار الحكم الشمولي، أو حرب أهلية وقودها الوطن بكل مفرداته، مهما تم تجميلها بعبارات الديمقراطية وشكلياتها؛ فالسؤال الذي لا يستدعي إجابة هنا: هل من الممكن والمقبول استجلاب ديمقراطية يكون ثمنها الوطن؟

قبل عملية الاختيار هذه، لا بد من الإجابة عن سؤال ربما غاب تحت الركام والدماء المسفوحة في الحرب الطائفية الدائرة في العراق منذ زمن بعيد، رغم أنه السؤال المركزي في تحديد موقفنا من الديمقراطية التي غدت الوسيلة الإمبريالية المثلى للولايات المتحدة الأميركية: أين تبدأ مسؤولية الاحتلال الاميركي وأين تنتهي، إذا كانت تنتهي فعلا، عن الحرب الطائفية في العراق؟

في كارثة سامراء يتحمل الجيش الأميركي، وهو جيش احتلال، المسؤولية كاملة عن عدم حماية الأماكن والرموز المقدسة، سيما وأنه سبق هذه الكارثة كارثة أخرى في 31 آب من العام الماضي 2005، عندما سقط ما يزيد على ألف قتيل من زوار مرقد الإمام موسى الكاظم في حي الكاظمية ببغداد، نتيجة للتدافع على جسر الأئمة إثر شائعات عن هجوم انتحاري وشيك. أما بعد تفجير مرقد الإمامين، فتتجلى مسؤولية الجيش الأميركي في اتخاذه قرارا أقل ما يقال بشأنه أنه "ملغز"، نصه التزام هذا الجيش قواعده ومراكزه، معلنا عدم تدخله إلا في حال طلب الجيش العراقي منه ذلك، وهو ما لم يحصل طبعا! علما أن القيادة الأميركية، السياسية والعسكرية على السواء، تقر بعدم جاهزية الجيش العراقي لتولي شؤون الأمن بمفردها!

لكن ذلك وغيره لا يعني سوى سماح الولايات المتحدة، بقصد أو بغير قصد، بإطلاق المرحلة الأوضح على صعيد الحرب الأهلية العراقية، أي الذبح على الهوية؛ ليبقى جوهر القضية هو تحديد المسؤول عن زرع بذور الذبح على الهوية وترسيخ ثقافته؛ وهي ثقافة لا يمكن أن تكون نتاج سنوات الاحتلال فقط.

صحيح تماما، وبما قد لا يحتاج إلى أي دليل، أن المسؤول الأول عن وضع الاسس وزرع بذور الحرب الأهلية لم يكن سوى النظام العراقي السابق الذي صور نظامه باعتباره سنيا عربيا في مواجهة الشيعة والأكراد، لتبدو حقيقة العلاقة بين الغزو والحرب الأهلية باعتبارها علاقة طردية على صعيد سرعة وقوع الكارثة، بمعنى أن اي عدوان خارجي يكشف الخلل الداخلي بشكل اسرع ليس إلا، والولايات المتحدة وإن استغلت هذا الخلل وعمقته إلا أنها تظل غير قادرة على خلقه بهذه السرعة؛ وهنا فعلا تتبدى الدروس والعبر الأهم التي يتوجب علينا استخلاصها من مأساة العراق.

فإذا كان العراق أنموذجا فعلا، فهو بالتأكيد ليس أنموذجا على الديمقراطية، كما تزعم الإدارة الأميركية، لكنه بالقدر نفسه أيضا ليس أنموذجا على بديل الحكم الشمولي الذي لا بد أن يكون حربا أهلية، كما يريد لنا البعض أن نعتقد؛ العراق أنموذج على ضرورة استعجال الديمقراطية التي تحمينا من حروب أهلية يسعى البعض إلى إذكاء نيرانها تحت مسميات قومية وسيادية وعاطفية، وليس ذلك إلا لحماية مكتسبات فئوية خاصة، بل وشخصية. وعند هذه الحقيقة نبدو فعلا في مواجهة خيارين: إما تأجيل تفجر الحرب الأهلية من خلال استمرار الديكتاتوريات المسؤولة قبل غيرها عن تعميق كل عناصر الشقاق والفراق داخل المجتمع الواحد، أو أن نقرر إخماد نيران هذه الحرب وهي ماتزال شررا متطايرا هنا وهناك.

بشديد اختصار، فإن صدقية وإخلاص الدعوة إلى الإصلاح الوطني وليس الاستعماري حماية للأوطان -وقد بات جليا ما تعنيه ديمقراطية الولايات المتحدة في العراق- هذه الدعوة إنما تتوقف على تجاوز خيارين؛ إما الوضع القائم وإما الحرب الأهلية، لأن الأخيرة هذه النتيجة الحتمية مع تأجيل قد يطول أو يقصر فقط. 

[email protected]

التعليق