حرب الإعلام ضد الإرهاب

تم نشره في السبت 25 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

"إن أكثر من نصف هذه المعركة يدور في ساحات الإعلام، ذلك أننا نخوض معركة إعلامية في سباق لاستمالة قلوب وعقول المسلمين". لم يكن قائل هذه الكلمات أحد مسؤولي العلاقات العامة، بل أيمن الظواهري الساعد الأيمن لأسامة بن لادن.

لقد تأقلم الإرهابيون بمهارة على حروب عصر الإعلام اليوم، لكن الحكومة الأميركية وحكومات الدول الديمقراطية الأخرى بصورة عامة لم تتأقلم. ولك أن تتخيل أن المتطرفين، الذين لا يتورعون عن ارتكاب أعمال عنف، لديهم"لجان علاقات إعلامية" تهدف إلى التلاعب بآراء النخبة من الناس. فهم يخططون ويصممون لهجمات تحتل العناوين الرئيسة في أجهزة الإعلام المختلفة، مستعينين في ذلك بكل وسائل الاتصال المتاحة بهدف ترويع الشعوب الحرة، وكسر إرادتهم الجماعية.

وهم يدركون تمام الإدراك أن وسائل الاتصال الحديثة تعبر الحدود، وأن قصة إخبارية وحيدة، إذا ما أعدت ببراعة، قد تلحق الضرر بقضيتنا -بقدر ما تفيد قضيتهم- كأي هجوم عسكري. وهم قادرون على التحرك بسرعة وبأعداد قليلة نسبية من الأفراد، وبالاستعانة بموارد متواضعة مقارنة بالأجهزة البيروقراطية الضخمة المكلفة التي تستعين بها الحكومات الديمقراطية.

ونحن اليوم نخوض أول الحروب في عصر البريد الإلكتروني، والمواقع الشخصية المتخصصة، والرسائل الفورية، وآلات التصوير الرقمية، وشبكة الإنترنت، والهواتف الجوالة، وبرامج الإنترنت الإذاعية، والمحطات الإخبارية التي تعمل على مدار الساعة. ففي تونس، على سبيل المثال، توزع أضخم الصحف ما يقرب من خمسين ألف نسخة في دولة يصل تعداد سكانها إلى عشرة ملايين نسمة، ولكن في أفقر الأحياء هناك تستطيع أن ترى هوائيات استقبال القنوات الفضائية في كل شرفة وأعلى كل سطح. ومنذ بضعة أعوام، تحت حكم صدّام حسين، كان من الممكن أن يتعرض أي عراقي لقطع لسانه إذا ما ضبط وفي حوزته هوائي استقبال للقنوات الفضائية، أو إذا ما استخدم شبكة الإنترنت من دون موافقة حكومية، أما اليوم، فقد أصبحت هوائيات الاستقبال في كل مكان من العراق أيضاً.

ولكن مما يدعو للأسف أن العديد من القنوات الإخبارية التي تشاهد عبر هذه الهوائيات معادية للغرب، والمنافذ الإعلامية في العديد من مناطق العالم لا تخدم إلا كوسيلة للإثارة والتحريف بدلاً من شرح الأمور وإطلاع الناس على الحقائق. وبينما نجح تنظيم القاعدة والحركات المتطرفة في استغلال هذا المنبر، لعدة سنوات، في تسميم الرأي العام الإسلامي فيما يتصل بنظرته إلى الغرب، فإننا لم نبدأ في الغرب بالمنافسة إلا بالكاد.

لقد رأينا هذا مع المزاعم الزائفة بتدنيس القرآن في العام الماضي، وهي مزاعم كانت قد نشرت أولاً في مجلة إخبارية أسبوعية، ثم نشرت القصة في أحد المواقع على شبكة الإنترنت، وأرسلت عن طريق البريد الإلكتروني إلى العديد من مستخدمي الإنترنت، ثم تكرر الحديث عنها في المحطات التلفزيونية الفضائية والإذاعية لعدة أيام قبل أن يتم الكشف عن الحقائق. ولقد أدت تلك القصة الزائفة إلى التحريض على أعمال شغب مناهضة لأميركا في أفغانستان وباكستان، واستغرقت الجهات العسكرية في الولايات المتحدة الوقت المطلوب للتأكد من حصولها على الحقائق كافة قبل أن ترد بأن تلك الاتهامات لم تكن صادقة، لكن أرواحاً بريئة كانت قد ضاعت حتى حدث ذلك!

لكننا بدأنا نتكيف؛ ففي العراق على سبيل المثال، سعت القوات المسلحة للولايات المتحدة، بالاشتراك مع الحكومة العراقية، إلى ابتكار سبل غير تقليدية لتقديم المعلومات الدقيقة للشعب العراقي. ومع ذلك، فقد تم تصوير هذه الجهود باعتبارها محاولة لـِ"شراء الأخبار". ثم كان ذلك الفيضان من التحقيقات الصحافية الانتقادية، والذي تسبب في إيقاف الأنشطة والمبادرات كافة. وقد أدى هذا إلى"تأثير مثبط" بين أولئك الذين يعملون في مجال الشؤون العامة العسكرية، والذين استنتجوا أنه لا مجال للابتكار والإبداع.

ولنتذكر للحظة ذلك العدد الهائل من الأعمدة الصحافية والساعات الطويلة من البرامج التلفزيونية التي خصصت لتغطية المزاعم الخاصة بإساءة معاملة المحتجزين في سجن"أبو غريب"، ولنقارن ذلك بحجم التغطية الإعلامية والإدانة المرتبطة باكتشاف قبور صدام حسين الجماعية على سبيل المثال، والتي كانت تعج بمئات الآلاف من العراقيين الأبرياء.

يتعين على الحكومات الحرة أن تجعل من التخطيط لوسائل الاتصال بالناس عنصراً رئيساً في جوانب هذا الصراع كافة. والحقيقة أنه كلما استغرق إنشاء هياكل اتصالات استراتيجية وقتاً أطول، كلما نجح العدو في شغل الحيز المتروك.

ولكن هناك علامات تشير إلى تقدم متواضع في هذا المجال؛ ففي أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب باكستان، تم نشر فريق شؤون عامة إلى جانب قواتنا العسكرية الضخمة في منطقة الكارثة، وقد عمل أفراد الفريق على المساعدة في تركيز الانتباه الإعلامي على التزام أميركا بمساعدة الشعب الباكستاني. وتشير استطلاعات الرأي العام التي أجرتها مجموعات خاصة قبل وبعد الزلزال إلى أن مواقف الشعب الباكستاني إزاء الولايات المتحدة قد تغيرت بصورة ملحوظة بسبب هذا الوعي الجديد.

لقد بدأت الجهود التي تبذلها الشؤون العامة الحكومية والدبلوماسية العامة في إعادة توجيه أساليب التعيين، ووضع جداول العمل، والثقافة البيروقراطية بهدف إشراك النطاق الكامل من الوسائل الإعلامية المتاحة اليوم. ومع ذلك، فمازال لزاماً على الحكومات أن تنمي القدرات المؤسسية اللازمة لتوقع الأحداث والعمل في نفس الإطار الإخباري. وهذا يتطلب إنشاء مراكز عمليات صحافية تعمل على مدار الساعة، ورفع عمليات شبكة الإنترنت والقنوات الأخرى إلى حالة العلاقات الصحافية التقليدية التي كانت في القرن العشرين. ولسوف يتطلب هذا الإقلال من الاعتماد على الإعلام المطبوع التقليدي، إذ أصبحت الجماهير في الولايات المتحدة وبقية العالم أقل اعتماداً على الصحف في استقاء الأخبار والمعلومات. ولسوف يعني هذا أيضاً ضرورة تبني طرق جديدة لإشراك الناس في كل أنحاء العالم؛ ففي أثناء الحرب الباردة أثبتت مؤسسات مثل "إذاعة أوروبا الحرة" أنها أدوات عظيمة القيمة. ويتعين علينا أن نفكر في إنشاء منظمات جديدة وبرامج جديدة تستطيع أن تلعب دوراً مماثلاً فيما يتصل بالحرب ضد الإرهاب.

نحن نخوض حرباً حيث أصبح بقاء أسلوب حياتنا على المحك. والحقيقة أن مركز ذلك الصراع لن يكون ساحة المعركة فحسب، والأمر برمته يعد اختباراً للإرادة، وسوف يكون اجتيازنا لهذا الاختبار أو فشلنا في اجتيازه متوقفاً على قرار محكمة الرأي العام العالمي. وعلى الرغم من براعة العدو في استغلال وسائل الإعلام، واستخدام أدوات الاتصال لمصلحته، إلا أننا نتفوق عليه بميزة واحدة: ألا وهي أن الحقيقة في جانبنا، وأن الحقيقة تنتصر في النهاية.

دونالد رمسفيلد وزير دفاع الولايات المتحدة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سينديكيت ومجلس العلاقات الخارجية 2006.

التعليق