منار الرشواني

غوانتنامو الرمز

تم نشره في الاثنين 20 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

في 30 تشرين الثاني 2004، أي قبل ما ينوف على العام، كشفت صحيفة نيويورك تايمز النقاب عن تقرير سري كان قد رفع إلى الإدارة الأميركية، وأعدته منظمة الصليب الأحمر الدولية حول أوضاع المعتقلين في سجن غوانتنامو؛ وقد تضمن التقرير اتهامات تفصيلية بشأن ممارسة المحققين الأميركيين للتعذيب النفسي والجسدي بحق المعتقلين، وبمساعدة أطباء ومسؤوليين صحيين، ولا سيما "فريق العلوم السلوكية الاستشاري" (Behavioral Science Consultation Team) المكون من متخصصين في علم النفس، يتولون تقديم النصح للمحققين من خلال تزويدهم بمعلومات عن الصحة العقلية للمعتقلين ونقاط ضعفهم!

والواقع أن التقرير السابق لا يشكل إلا رأس جبل الجليد المكون في معظمه من مجموعة ضخمة من الوثائق الأميركية "الرسمية والسرية" التي لا يكاد يتوقف الكشف عنها في وسائل الإعلام الأميركية، وهي وثائق تقدم صورة "رسمية" تفصيلية للتعذيب وتقنياته في غوانتنامو، كما في غيره من السجون الأميركية أو التي تدار بإشراف أميركي! ومن ثم، فلماذا جاءت ردة الفعل الأميركية غاضبة على التقرير الأخير الصادر في 15 شباط الحالي، عن لجنة حقوق الإنسان في المجلس الاقتصادي-الاجتماعي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، سيما وأن التقرير لا يكاد يضيف أي جديد إلى ما سبقه؟

التفسير الأول والمفهوم يتمثل في توقيت صدور تقرير الأمم المتحدة؛ إذ مازال العالم يشهد مظاهر الغضب الإسلامي، العنيفة في بعضها، احتجاجا على الإساءة إلى صورة الرسول الكريم في عدد من الصحف الغربية، وثمة خشية أميركية منطقية من توجيه هذه التعبئة العربية والإسلامية نحو الولايات المتحدة، ولا سيما جنودها الموجودون في غير بلد عربي وإسلامي. لكن، ومن ناحية أخرى، يجب فهم الغضب الأميركي الأخير باعتباره اعتراضا على سوء فهم عالمي، ربما يكون "مغرضا!"، بشأن تقنيات التحقيق الأميركية مع معتقلي غوانتنامو، والتي لا تقبل الولايات المتحدة اعتبارها تعذيبا على الإطلاق!

ففي سياق حربها على "الإرهاب"، ابتدعت الولايات المتحدة مصطلح "المقاتلين الأعداء" الذي تم بالاستناد إليه إلغاء كل الاتفاقيات الدولية في زمن الحرب، ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربعة! وبعد ذلك مباشرة، وتأكيدا لتميز هؤلاء "المقاتلين الأعداء"، فقد قررت الولايات المتحدة وضع تعريف آخر للتعذيب، يتنكر للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول 1984، كما يتعارض -وبإقرار "بورتر جوس" رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في شهادته أمام لجنة شؤون الخدمات العسكرية في مجلس الشيوخ، بتاريخ 17 آذار 2005- مع القوانين الفيدرالية الأميركية ذاتها التي تحظر التعذيب! وبحسب رأي قانوني صادر عن وزارة العدل الأميركية في آب 2002، وأرسل إلى وكالة الاستخبارات المركزية عبر مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، فإن وسائل التحقيق التي لا تسبب "تلف عضو او عاهة في إحدى وظائف الجسم أو حتى الموت" هي جميعها وسائل مسموحة ولا تعتبر تعذيبا!

لكن، إذا كان كثيرون في الولايات المتحدة قبل غيرها يرفضون تصنيف "المقاتلين الأعداء"، كما يرفضون تعريف الإدارة الأميركية للتعذيب وإنكارها لحصوله بشكل روتيني وكركن أساس في الحرب الأميركية على الإرهاب، فلماذا إذن لا تتخلص الولايات المتحدة من هذا العبء بإغلاق سجن غوانتنامو، والاستعاضة عنه بالسجون السرية المنتشرة في العالم، خصوصا أنه سيكون بمقدور الولايات المتحدة في هذه الحالة استخدام وسائل تعذيب شبيهة بتلك الموجودة في القرون الوسطى، بحسب سفير بريطاني سابق، ولكن دون تحمل الإدارة الأميركية وزر هذه الأعمال الوحشية واللاإنسانية؟

يمكن فهم التشبث الأميركي بمعتقل غوانتنامو رغم كل الفضائح التي تسربت وتتسرب منه باعتبار أن هذا السجن إنما يجسد رمزا، أو لربما هو الرمز الأخير للحرب الأميركية على "الإرهاب" التي بدأت منذ الحادي عشر من سبتمبر! لكن في المقابل، فإن فضائح غوانتنامو (إضافة إلى فضائح أبو غريب وغيره من سجون أميركية علنية وسرية) إنما تجعل من المعتقل بالنسبة لآخرين رمزا للإرهاب الأميركي باسم محاربة الإرهاب!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق