إبراهيم غرايبة

المجتمعات الإلكترونية والفضائية

تم نشره في الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

هل تشكل التجمعات التي تتشكل في الإنترنت وعلى شاشات الفضائيات للدردشة والنقاش والغزل والصداقة والزواج والعمل التجاري مجتمعات جديدة مختلفة عن المجتمعات"الأرضية" وهل ستنشئ قيما وثقافة وتقاليد جديدة، فنقول مثلا التقاليد الإنترنتية كما نقول مثلا تقاليد العمل الزراعية في إندونيسيا؟ وابتداء هل من الممكن نشوء مجتمعات إلكترونية؟ وهل هذه المجتمعات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني بإمكانها أن تحكم نفسها بطريقة ديمقراطية؟ من المؤكد أن ثمة إشكاليات كثيرة أخلاقية وقانونية وسياسية واجتماعية ناشئة عن الاستخدام الواسع لشبكات الإنترنت والفضائيات والاتصالات وأن حلها في كثير من الأحيان ليس بيد السلطات الوطنية وأن المجتمعات بحاجة إلى نظام سياسي وأخلاقي واجتماعي جديد للتعامل معها.

إن العمليات التي يقوم بها مستخدمو الإنترنت تقع في المجالات التالية على الترتيب: بريد إلكتروني(72%) البحث لأغراض العمل(47%) البحث عن الأخبار والمعلومات الجديدة (38%) الدردشة عبر الإنترنت

(22%) وكان عدد الذين شاركوا في الدردشة حول قضايا سياسية يساوي (4%) فقط، وهي أرقام تشير إلى أن قيام مجتمعات عبر الإنترنت مازال مستبعدا، وقد ساعدت الإنترنت في تقوية العلاقات الأرضية(الانتماءات الجغرافية والسياسية والثقافية) ولكنها لم تنشئ مجتمعات وعلاقات قائمة على أساسها بالقدر الذي يمكن اعتبارها مجتمعات قائمة بذاتها، ولكن المجتمعات العادية تتغذى علاقاتها بالروابط الإلكترونية، ويمكن أن تضيف وسائل اتصال وعلاقات إدارية وشخصية، مثل التجمع وتحديد المواعيد وتبادل المعلومات، وأما المجتمعات الإلكترونية البحتة فهي نادرة جدا.

ومازالت نسبة استخدام الإنترنت على العلاقات والأنشطة اليومية والعادية كالجلوس مع العائلة وقراءة الصحف ومشاهدة التلفزيون ومقابلة الأصدقاء تبدو ضئيلة وغير مؤثرة، وقد وجدت دراسات أن استخدام البريد الإلكتروني عزز العلاقات والتواصل مع العائلة والأصدقاء.

ويتوقع أن تستخدم الإنترنت في المستقبل للتصويت والانتخاب والتشاور وجمع الآراء والتمهيد لاتخاذ قرارات، وهو إجراء مازال مشوبا باحتمالات الخطأ والتزوير ولكن يمكن مواجهة هذه المشكلة بدرجة تفوق التصويت من خلال الصناديق والمكاتب المخصصة لذلك.

ومازالت قضايا وتداعيات العولمة والمعلوماتية تثير قضايا وإشكاليات جديدة منقطعة الصلة بالماضي، وتفرض على الجيل الحالي تحديات كبيرة، فالعولمة مازالت مقتصرة على الاقتصاد والتكنولوجيا ولم تعن بالشؤون الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، نتيجة لذلك فإن قدرة الأشخاص في العالم على السيطرة على مصائرهم قد تضاءلت، فالحكومة الوطنية تصدر القوانين المختلفة، ولكن هذه القوانين تبدو غير فاعلة في عهد الإنترنت، ما يستدعي وجود هيئات دولية سياسية واجتماعية وأخلاقية تؤيد وتعزز هذه القوانين، ويكون مداها ونطاق عملها منتشرا بقدر انتشار التحديات، وتبدو القومية عقبة في طريق تطور هذه المؤسسات.

وفي كتابه"الخير العام: إشكاليات الفرد والمجتمع في العصر الحديث" يثير أميتاي إتزيوني قضايا جدلية بالغة الأهمية تحتاج المجتمعات والدول إلى التفكير بها والبت بشأنها، كيف يمكن لهذه المجتمعات أن توفق بين العام والخاص، وبين الدولي والمحلي، باعتبار أن هناك"خيرا عاما" مشتركا للجميع بين درجتي التسلط والاستسلام لما تفرزه هذه العولمة؟ كيف ستتعامل المجتمعات والدول مع قضايا مثل حق استهلاك المعلومات، وتداخلاتها مع حرية التعبير وحماية الطفولة، وحقوق المواطن وحقوق المجتمع تجاه ما تفرضه منتجات الاتصال الحديثة كالهاتف المحمول والإنترنت، وحدود المراقبة على الأفراد، ومدى ما يتسبب به اكتشاف الحمض النووي من تقييد لحريات الأفراد؟

بالطبع ثمة جدل قديم بين أنصار الحقوق والحريات المدنية والخصوصية وبين أنصار الصالح العام ومصالح المجتمعات وهما في كثير من الأحيان لا يختلفان، ولكن ثمة مناسبات كثيرة تدعو إلى النزاع والخلاف، ولكن هذه النزاعات أخذت منحى آخر بعد التسهيلات والفرص والإمكانيات الهائلة التي تتيحها الفضائيات والإنترنت وشبكات الاتصال وإمكانية تخطي القوانين والحدود الوطنية وتراجع فرص سيطرة الحكومات على تدفق المواد الثقافية والإعلامية والأموال والاتصالات.

ويجري استعمال مكثف لاختبارات الحمض النووي لبناء قاعدة معلومات واسعة محلية وعالمية عن الناس بهدف الدفاع عن السلامة العامة، وهو أمر موضع جدل بين أنصار الحقوق والحريات المدنية وبين أنصار السلامة العامة، فيرى مؤيدو الحريات المدنية أن الحقوق الفردية يجب حمايتها بحزم فتخص إجراءات السلامة العامة للمحاسبة والاختبار، ولكن الرأي المقابل يدفع باتجاه أن هذه الاختبارات تقلل من الجرائم وتساعد كثيرا في تحقيق العدالة، ويراها بعض الأكاديميين التقدم الأهم في تاريخ الطب والتحقيق الشرعي.

[email protected]

التعليق