ياسر أبو هلالة

المحكمة الجنائية الدولية

تم نشره في الثلاثاء 10 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

قوانين مكافحة الإرهاب قد تكون ضرورية لدول عريقة في الديمقراطية وسيادة القانون، فأي انتقاص لحريات ألفها المواطن أو تدخل في خصوصياته لا يتم بإجراءات السلطة التنفيذية وإنما بقرار قضائي، وقد اهتز عرش بوش عقب فضيحة التنصت على المسلمين المشتبه فيهم بعد الحادي عشر من سبتمبر، ولا تزال بريطانيا حتى اليوم عاجزة، قضائيا، عن ترحيل المشبوهين لديها.

في الأردن لا نحتاج قوانين مكافحة إرهاب، فهناك قوانين نافذة تطبقها محكمة أمن الدولة. ومن حضر جلسة مجلس النواب أول من أمس يخيل إليه أنه في مجلس العموم البريطاني. ولو راجع النواب المعترضون على القوانين الثلاثة التي ثارت عليها الضجة الممارسات والتشريعات الأردنية في مكافحة الإرهاب لأقروا القوانين بـ"التمرير".

لكن ذلك لا يقلل من أهمية السجال في مجلس النواب، خصوصا أنه يعكس حالا فريدة عالميا. فمجلس النواب الذي رد القانون، هو من قَبِله مرة ثانية بمعارضة سبعة عشر نائبا، من دون تغيير حرف فيه. والقبول والرفض عبّرا عما يشبه لوحة سوريالية. فمؤيدو قانون النظام الداخلي للمحكمة الجنائية الدولية هم مؤيدو القانون الذي يستثني الأميركيين من التسليم إلا في حال موافقة حكومتهم. ومعارضو الاستثناء هم أنفسهم معارضو المحكمة. مع أن المنطق يقتضي الموافقة على قانون المحكمة ومعارضة الاستثناء. لكن المنطق يظل الغائب الأكبر.

مخالفة النواب الإسلاميين للمحكمة الجنائية الدولية عكست قطيعة في علاقتهم بالعالم. فانبروا للدفاع عن حركات المقاومة التي قد تلاحق في المحكمة في ظل ضبابية تعريف الإرهاب. وكأنهم يقرون سلفا بإرهابية حركات المقاومة. مع أن مثل هذا القانون يفترض أن يخيف من يرتكبون فعلا جرائم ضد الإنسانية. وهذا قد ينطبق على الأميركيين والإسرائيليين والصرب قبل أن ينطبق على حماس وحزب الله.

كنت أفهم أن ينبري النواب المعارضون لفتح ملف الفلوجة والعراق عموما، وليسألوا لماذا تجعل أميركا جنودها فوق القانون؟ لولا أنهم يرتكبون جرائم ضد الإنسانية لما استثنتهم، حجة كهذه تكشف أزمة الولايات المتحدة مع المؤسسة الدولية لا أزمة الإسلاميين مع العالم. ألا يسأل الإسلاميون أنفسهم من الذي لاحق شارون في جرائم صبرا وشاتيلا؟ أليس القضاء البلجيكي؟ من الذي لاحق القادة العسكريين الإسرائيليين في قضية القتل المستهدف الذي أودى بمدنيين، أليس القضاء البريطاني؟

لماذا لا يطالبون بتفعيل المحكمة الجنائية الدولية لتنصف البشر بمن فيهم المسلمون؟ من هم ضحايا الجرائم ضد الإنسانية ومن هم المجرمون حسب تعريف المحكمة إذا ما قرئ من دون تعسف؟ المسلمون هم العدد الأكبر من الضحايا. وإن كان ثمة ضحايا ينتمون لأميركا فهي لا تنتظر قرارات المحكمة حتى تنتصف منهم. وكذلك إسرائيل. إن كان ثمة مستفيد من المحكمة فهو الطرف الأضعف أي المسلمون.

السجال كان مفيدا، فالمعايير الأخلاقية التي تبناها النواب المعارضون أظهرت أن علاقة الأردن بالولايات المتحدة ليست في حال حرب، بقدر ما كشفت عن مشاعر الشارع الأردني، وفي النهاية انتصرت وجهة النظر التي تراعي مصالح الدولة في علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية.

[email protected]

التعليق