منار الرشواني

رد الاعتبار للدولة الوطنية

تم نشره في الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

غدا مألوفا رؤية انتخابات لا تنقطع، وإن على مستويات مختلفة؛ رئاسية وتشريعية وبلدية، على امتداد الوطن العربي، وبات لدينا من الأحزاب ما نعجز حتى عن تعداده! لكن أليس صحيحا اعتقادنا أن الانتخابات والتعددية السياسية وغيرها هي محض مؤشرات ديمقراطية، وأن لا شيء يضمن إلى الآن استمرار هذه المؤشرات -بالتأكيد وفق المعايير الموضوعية والعادلة والمقبولة- بما يسمح لنا بالحديث عن دخولنا مرحلة الديمقراطية فعلا؟ وأننا نعيش الآن، وفق أكثر التصورات تفاؤلا، مرحلة انتقالية أو حالة من السيولة السياسية المفتوحة على كل الاحتمالات؟

مبعث هذا "التشاؤم" أنه بقدر ما يبدو التحول الذي يشهده العالم العربي اليوم نتيجة طبيعية لتكشف عجز أكثرية الأنظمة العربية عن الوفاء باستحقاقاتها – مادية كانت أم معنوية- تجاه مجتمعاتها، وبالتالي فقدانها لكل شرعية، الامر الذي افقدها اي قدرة على مواجهة ضغوط الإدارة الاميركية في هذا الاتجاه، بعد توصل هذه الإدارة إلى قناعة بأن الديكتاتورية هي المرتع الخصب للإرهاب، بالقدر نفسه فإن هذا التحول قد كشف عن ضعف القوى البديلة لتلك الأنظمة بالنظر إلى افتقادها إلى اي مشروع إصلاحي حقيقي قادر على الخروج من إطار الخطاب إلى واقع الممارسة، وعاجز قبل ذلك عن إقناع الجماهير به، كما إقناع البيئة الدولية.

النقطة الاخيرة هي ما يبدو اليوم بمثابة الإشكالية الحقيقية التي تستدعي التوقف في محاولة لإيجاد الحل والمخرج، فلماذا عجزت قوانا السياسية حتى الآن عن خلق مشروع إصلاحي حقيقي؟

سواء اعترفنا بذلك صراحة أو لم نعترف، فإن الإصلاح الذي نطالب به ونسعى إليه هو إصلاح على مستوى الدول العربية، أو بعبارة أوضح هو إصلاح على مستوى ما اعتدنا على تسميته "الدولة القطرية"، التي طالما تعاملنا معها بإنكار أو استعلاء، معتبرين إياها السبب الاهم للتخلف والذل العربيين، بإعاقتها للدولة القومية التي تجمع شمل العرب من المحيط إلى الخليج، والتي بتحققها سنجد "الحل السحري" لكل المشكلات والمعضلات التي تواجه المواطن والمجتمع العربي، من استعمار الأرض والفقر والعوز والجهل.

ورغم كل التساؤلات حول الأدوات المنطقية والعملية لتحقيق هذا الحل القومي، ورغم كل الملاحظات والانتقادات التي ترد بشأن النهج الذي اعتمد في مرحلة المد القومي التي عرفها العالم العربي في الخمسينات والسيتينات من القرن الماضي، يظل من الممكن القول إن القوى القومية العربية مازالت اسيرة الفكرة-الشعار التي تستخدم كمخرج مثالي، ليس إلا، للفرار من مواجهة القضايا الحقيقية على أرض الدولة القطرية (الوطنية).

الوجه الآخر للصورة يمكن إيجاده على الجانب الآخر، أي لدى القوى الإسلامية المسيطرة حاليا في الساحة السياسية العربية. صحيح ان أغلب هذه القوى، إن لم يكن جميعها، لا تتحدث عن وحدة إسلامية، لكنها في الواقع تقفز إلى القضايا الإسلامية الكبرى على حساب المشكلات الوطنية (القطرية) التي يتوجب تأجيلها إلى حين انتهاء الصراع مع العدو الصهيوني، أو بالتعبيرات القومية "لا صوت يعلو على صوت المعركة"! أما إن لم تفعل القوى الإسلامية ذلك، فإنها تلجأ إلى الدين "شعارا"، وتصوير أن حل المشكلات كافة التي يعاني منها المجتمع سيكون أقرب إلى تحصيل حاصل بمجرد تطبيق الشريعة الإسلامية، هكذا بشكل غيبي مطلق، ودونما حاجة إلى تفصيل أو تبرير!

إن إنكار الدولة القطرية وتجاهلها هو ما أدى في الحقيقة إلى ما نجده اليوم من عودة إلى الانقسامات الاولوية، وتشكيل البيئة المناسبة لحرب أهلية هنا وحرب أهلية هناك، وغياب قواسم اللقاء الحقيقية بين القوى السياسية الموجودة على الارض. وما علينا أن نعيه ونقر به اليوم، هو وجوب إلغاء التناقض المفترض، ولربما المفتعل بين الدولة القطرية والوحدة القومية أو الإسلامية، وذلك برد الاعتبار إلى هذه الدولة؛ فكما أن الخروج من بعض المعضلات يستدعي بالضرورة حالة من الوحدة على مستوى ما فوق وطني أو قطري، فإن الوصول إلى هذه الحالة من الوحدة، أيا كان شكلها، لا يكون إلا نتيجة بيئة قطرية-وطنية سليمة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق