الإخوان المسلمون: ما هو أبعد من الهولوكوست

تم نشره في الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

لم تمض سوى ايام قليلة -إنما غير كافية لتوقف بيانات ومواقف الشجب والإدانة- على تصريحات الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، التي اعتبر فيها المحرقة النازية لليهود (الهولوكوست) "خرافة"، حتى جاء البيان الصادر عن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، محمد مهدي عاكف، ليصب في ذات الاتجاه، من خلال القول إن الهولوكوست "أسطورة".

ومن ناحية المضمون، فإن ما قيل بشأن تصريحات الرئيس الإيراني ينطبق بذات الدرجة على تصريحات المراقب العام؛ فأقل ما يمكن أن يقال بشأن نقاش الهولوكوست عربيا - إذا افترضنا أنه نقاش أصلا وليس تصريحات منفعلة- هو أنه محض نقاش عبثي. لا يخفف من هذا الحكم أن مشكلة اليهود في الغرب، وعقدة الذنب الأوروبية الناتجة عن المحرقة، قد تم حلها ومعالجتها على حساب حقوقنا العربية، لا سيما في فلسطين؛ فرغم صحة هذا القول، إلا أن النقاش يبدأ من هنا تحديدا، أي من حقنا، وليس من أصل المحرقة، وجودا وعدما.

مع ذلك، فقد اعتاد الغرب، واعتدنا معه محتفين، صدور تصريحات مشابهة بين الفينة والاخرى، من طرفنا كما من طرف بعض الغربيين أيضا. لكن ما يهم اليوم فعلا أكثر من اي وقت آخر، هو هذا التزامن الإخواني-الإيراني بشأن قضية المحرقة اليهودية، بكل ما تثيره من حساسية لدى الغرب، وما تقدمه من مادة مثالية للاستغلال من قبل إسرائيل في مواجهتنا لتبرير وتثبيت تصرفاتها العدوانية! فهل كان هذا التزامن هو مجرد صدفة، لا أكثر ولا أقل؟ أم هي محاولة من قبل المراقب العام للإخوان المسلمين للمزاودة على المواقف الإيرانية التي نعلم أنها تجد صدى إيجابيا لدى الشعوب العربية والإسلامية؟ وإذا أردنا أن نذهب إلى مدى أبعد، فهل يسعى الإخوان المسلمون إلى خلق نوع من التحالف، المعنوي على الأقل، مع القيادة الإيرانية في مواجهة الإمبريالية الأميركية التي تجتاح المنطقة، حربا وديمقراطية، بحيث جاء بيان محمد مهدي عاكف بعد تصريحات خالد مشعل التي أعلن فيها "حمايته لإيران"، واصطفافه معها في ذات الخندق؟

بدهي أن السياسة لا تصنع باستثارة عواطف الشعوب بل بقيادتها من قبل نخب واعية، وبدهي بنفس المقدار أن إيران بتوجهاتها الحالية لم ولن تكون أبدا حليفا للشعوب العربية، إن لم يصح العكس. ومن ثم، فأيا كان التفسير الصحيح من ضمن التفسيرات السابقة لبيان المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، تظل النتيجة واحدة، وهي نتيجة سلبية حتما، تصب في خدمة ما يسميه دينيس روس "استراتيجية الخوف"، أو بكلمات أدق "استراتيجية التخويف" التي تمارسها الأنظمة العربية في مواجهة المطالب الأميركية بالتغيير، من خلال التحذير من بديل هذه الأنظمة "الإسلامي". وبشديد اختصار، ومن حقيقة أن الإخوان المسلمين هم القوة الأكبر في أكثر البلدان العربية حاجة إلى الإصلاح، فإنه يمكن القول إن مثل هذه التصريحات والبيانات لا تؤدي إلا إلى إعاقة الإصلاح، وهو أمر مارسه الإسلاميون سابقا من خلال تبنيهم مفاهيم ملتبسة على صعيد الديمقراطية، وحالة الجزائر تظل الدليل الاوضح هنا. 

وبناء على ذلك، فإن القضية التي تهمنا ويعيد بيان المراقب العام التأكيد عليها وتنبيهنا إليها لا تتصل في الحقيقة بالمحرقة اليهودية، وإنما بضرورة احترام السياسي في مواجهة الديني داخل جماعة الإخوان المسلمين، كما داخل كل حركات الإسلام السياسي. فالجماعة التي تشارك في الانتخابات في أغلب البلدان العربية، كما وتشارك في الحكومات، أو تقبل ذلك من حيث المبدأ، هذه الجماعة مطلوب منها -إن صدقت النية في الإصلاح عملا لا قولا- إقامة حد فاصل واضح بين نشاطها السياسي وسائر نشاطاتها الاجتماعية الأخرى. ومثل هذا الفصل، الذي هو إصلاح داخلي ومتطلب سابق للإصلاح على مستوى المجتمع ككل، يعني بشديد وضوح وجود كفاءات سياسية مؤهلة تتولى جانب المشاركة السياسية بأبعادها كافة، لا أن يترك الأمر –كما هو الحال الآن- لمشايخ دين، فلهؤلاء مجال آخر إنما ليس السياسة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق