النضال من أجل العلمانية في فرنسا

تم نشره في الاثنين 19 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

إنه لمن عجائب القدر أن تستعد فرنسا حالياً للاحتفال بالذكرى المئوية لصدور قانون التاسع من ديسمبر 1905 الذي قضى بفصل الكنيسة عن الدولة، في نفس الوقت الذي أخذت الاضطرابات تعكر الصفو الذي كانت تنعم به مدنها. لكن العواطف المتأججة كانت تحيط دوماً بالدور الذي لعبته الكنيسة والدور الذي لعبته الدولة طيلة التاريخ الفرنسي، حتى ولو لم يتمكن أحد من إقامة الدليل على وجود رابطة مباشرة بين أحداث الشغب الأخيرة وبين ما يسمى بالعلمنة الفرنسية.

يرجع الصراع القائم بين الكنيسة والدولة للفوز بالسيادة السياسية إلى العصور الوسطى، حين سعى قضاة فيليب لابيل إلى فرض "سلطة ملكية" على الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في فرنسا. وبعد قرون من الزمان قامت الثورة الفرنسية التي قدمت لفرنسا حرية العقيدة والدين.

لقد ساعدت السرعة التي انتشرت بها الميول المناهضة للسيادة الإكليريكية الدينية أثناء الفترة الثورية من التاريخ الفرنسي في إفساح الطريق أمام نشوء علاقات أكثر توازناً بين الكنيسة والدولة، والتي تجسدت في الاتفاقية البابوية التي تمت في عام 1801 بين نابليون والبابا بايوس السابع - وما تزال هذه الاتفاقية سارية في الألزاس وأجزاء من اللورين حتى اليوم.

ولقد أدى الدور الذي لعبته الكاثوليكية بين عامة الناس إلى توليد معارك قاسية طيلة القرن التاسع عشر بين أنصار رجال الدين وبين خصومهم، وهو ما عكس بدوره صراعاً أكثر عمقاً بين أنصار الجمهورية وبين الأطراف التي كانت تنادي بالعودة إلى النظام القديم. ومع نجاح الجمهورية في ترسيخ أقدامها منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر برزت إيديولوجية علمانية سعت إلى تحرير مؤسسات الدولة - النظام التعليمي في المقام الأول- من سلطان رجال الدين.

اتسمت محاولات علمنة النظام التعليمي بمعاركها الطاحنة، والتي تبعتها بعد ذلك المعركة ضد الجماعات الدينية. ومع الأحداث المتفجرة التي صاحبت قضية درايفوس، تجلت المسألة الدينية على نحو أوضح من أي وقت مضى باعتبارها قضية سياسية كبرى.

وعلى هذا فقد جاء قانون 1905 - الذي اعتبره العديد من الناس النص المؤسس للعلمانية الفرنسية- كنتاج لعملية تاريخية طويلة. وعلى الرغم من أن هذا القانون قد يبدو وكأنه إعلان للحرب على الدين، إلا أنه كان يهدف بصورة أساسية إلى تهدئة المشاعر. والدليل على هذا أن الفقرة الأولى من هذا القانون تعلن أن الجمهورية تشهد رسمياً على حرية العقيدة و"تضمن حرية ممارسة العبادة وفقاً للقيود التي تمليها المصلحة العامة". أما الفقرة الثانية من القانون فهي تنص على أن الحكومة لا تميز أو تمول أو تقدم العون لأية طائفة دينية.

وعلى هذا فإن الدولة تضمن حرية العبادة لكنها لا تتدخل في السبل التي تعمل بها الأجهزة الدينية المختلفة. ولقد حرصت المحكمة العليا ومجلس الدولة في فرنسا على احترام هذا المبدأ الرئيسي والذي يتلخص فيما يلي: "إن فرض القيود على الممارسات الدينية أمر مشروع إذا ما كان ذلك من أجل تعزيز المصلحة العامة، لكن هذه القيود لا ينبغي لها أن تمنع الناس من العبادة". إذن فقد سعى قانون 1905 - الذي تأسست على ضوء نصوصه عملية إقامة الدولة العلمانية والحفاظ عليها، والتي أطلق عليها "العلمنة" - إلى إيجاد نوع من التوازن بين غايتين: رفض سيطرة الدولة على الدين، ورفض استيلاء الدين على الدولة.

كانت فرنسا الدولة الأوروبية الأولى التي صرحت بطبيعتها العلمانية في دستورها، بينما يشير القانون الأساسي الألماني إلى "الرب"، ويشير الدستور الأيرلندي إلى "الثالوث المقدس". والحقيقة أن العلاقة بين الكنيسة والدولة متنوعة للغاية في أوروبا. فهناك ما يسمى بكنيسة الدولة في بعض الدول الأوروبية مثل المملكة المتحدة والدنمرك وفنلندا واليونان، وهناك دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا، تؤكد على علمانيتها، وهناك دول مثل اسبانيا وإيطاليا وايرلندا والسويد والبرتغال تجمع بين فصل الكنيسة عن الدولة وبين المعاملة الخاصة لبعض الفئات الدينية، أو تعترف بالدين مثل ألمانيا وبلجيكا والنمسا ولوكسمبورج. ولكن القواسم المشتركة بين دول الاتحاد الأوروبي هي في واقع الأمر أكثر مما قد تشير إليه مثل هذه الاختلافات.

في الأعوام الأخيرة أصبحت الرؤية الفرنسية للدولة العلمانية موضع تساؤل على نحو متزايد نتيجة للتأثير المتنامي للإسلام، الذي أصبح يشكل الديانة الثانية في فرنسا الآن، على الأقل من حيث عدد الملتزمين بممارسة شعائر الدين. ومن أجل مساعدة الإسلام على إيجاد مكانه بين ديانات فرنسا، فقد شجعت الدولة على إنشاء هيئة تمثل كافة المجتمعات المسلمة في فرنسا. وأثناء العقد الماضي، أدى النقاش الدائر حول ارتداء فتيات المدارس المسلمات لغطاء الرأس إلى إثارة جولة جديدة من الجدال حول معنى العلمنة. فقد نظر أغلبية المعلمين الفرنسيين إلى مسألة ارتداء غطاء الرأس باعتبارها جزءا من حركة منظمة تهدف إلى التشكيك في الحيادية الدينية للمدارس ـ بل وتسعى إلى تحدي مبادئ التنوير الأساسية، كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية منذ قرون. كان ذلك الاستفزاز الظاهري هو الذي أوحى إلى صانعي القوانين بسرعة التحرك، خشية أن يقع انقسام طائفي داخل النظام التعليمي. وبعد عامين من إجراء التجارب، يبدو أن هذا التصريح المجدد بشأن سيادة العلمنة في فرنسا قد صادف نجاحاً لا يقبل الجدل.

ولكن في وقت أقرب عهداً تجددت النداءات المطالبة بتعديل قانون 1905، بهدف تذليل بعض الصعاب، مثل كيفية تمويل بناء مساجد المسلمين. والحقيقة أن ميل فرنسا إلى انتهاج سياسة شديدة الإيديولوجية، قد أدى في النهاية إلى تفاقم جدال كان قد أصبح مستقطباً بالفعل.

ولكن استمرار هذا الجدال يقود إلى المجازفة بالكثير. فقد كان قانون 1905 بمثابة التسوية لمعركة مثيرة للشقاق والفرقة، ولا ينبغي لها أن تتجدد بعد ذلك أبداً. وهذا لأن فرنسا لا تتحمل حرباً دينية جديدة. والحقيقة أن العلمانية الرسـمية، إذا ما قورنت بالأنظمة الديمقراطية الأخرى، لم تعد تبدو وكأنها مجرد "استثناء فرنسي" آخر. بل إن الحقيقة على العكس من ذلك، فالعلمانية - أياً كانت بنيتها القانونية الخاصة- تشكل هي والديمقراطية خيطين في جديلة واحدة. ولا ينبغي لهذه الحقيقة أن تتبدل.

رافاييل هداس-ليبيل مؤلف كتاب "مائة كلمة وكلمة حول الديمقراطية الفرنسية"، وهو رئيس الغرفة الاجتماعية التابعة لمجلس الدولة وأستاذ مساعد بمعهد الدراسات السياسية في باريس.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق