إبراهيم غرايبة

تنظيم العمالة الوافدة

تم نشره في الاثنين 19 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

 ما هو العدد الحقيقي للعمالة الوافدة في الأردن؟ ربما لا يكون هذا هو السؤال المهم، ولكن يبدو أن التشديد في قوانين تنظيم العمالة الوافدة يحرك - شأن التشدد دائما- مسارا من الفساد يقوم على ابتزاز العمال الوافدين والتغاضي عن الظروف السيئة التي يعملون فيها. صحيح أن معظمهم يقبل بالشروط القاسية والمهينة التي يعمل فيها، وربما تكون أفضل من وضعه السابق في بلده، ولكن ذلك لا يسمح أبدا بالاعتداء على حقوق هؤلاء الناس، والذين لا يستطيعون في أغلب الأحوال التقدم إلى القضاء لأنهم يعملون ويقيمون على نحو مخالف للقانون. ويقول بعضهم إنهم يتعرضون للظلم والإهانة والاتهام، ويكونون عادة الطرف الضعيف المغلوب على أمره ولا يجدون فرصة للإنصاف، بل إنهم يتعرضون في بعض المكاتب الحكومية أيضا إلى الابتزاز ويضطرون لدفع رشاوى للتغطية على مخالفاتهم القانونية، أو للحصول على تصريح عمل.

 تسمح وزارة العمل باستقدام العمل في القطاع الزراعي وبشروط ميسرة، ولكن هذه التسهيلات للقطاع الزراعي تستخدم في كثير من الأحيان للتغطية على العمل في مجالات أخرى لا يسمح بها القانون للعمالة الوافدة. وهكذا فقد أنشأت الحلول للمشاكل مشاكل جديدة لعلها أسوأ من المشكلة الأصلية. فتنظيم العمالة الوافدة، وإتاحة الفرصة للعمالة الوطنية أنشأ حالة من الفساد والمظالم، وربما لم يقلل من العمالة الوافدة، ولم يشجع العمالة الوطنية.

 وبالطبع فإن الحديث ليس على إطلاقه، ويحتاج إلى تفكير بطريقة مختلفة، أو ليكن السؤال: كيف تنظم العمالة الوافدة وتحصر في المجالات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني دون آثار جانبية اجتماعية وقانونية خطرة؟ المشكلة معقدة ولا تحل على نحو مباشر، ولكنها تحتاج إلى منظومة من السياسات، فهناك اختراق للقوانين من قبل أصحاب العمل وممن يفترض أنهم يطبقون القانون ويراقبون تطبيقه، وهناك مظالم وتعديات تنشئها الحالة غير القانونية للعمالة الوافدة، ولكن هناك أيضا خوف واستقواء عليهم. وقد رأيت بنفسي عاملا مصريا في المحكمة وقد برأته المحكمة من تهمة، لكن بعد شهور من اعتقاله بسبب وشاية كيدية من صاحب العمل لابتزازه وعدم إعطائه حقوقه.

نحتاج للتوسع في عمل النقابات العمالية ومؤسسات المجتمع المدني على نحو يعطي للنقابات العمالية فرص تطبيق الأولوية للعمال الأردنيين، ويعطي للمجتمع المدني فرص حماية العمالة الوافدة من الظلم والاعتداء ويساعدهم في الحصول على حقوقهم، ويطور ظروف عملهم إلى مستوى مؤسسي من العقود والتأمينات والادخار.

ونحتاج أيضا للتفكير من جديد وعلى نحو مختلف عما سبق في تأهيل المجتمع والقوى العاملة بما يستوعب ويجتذب الشباب في قطاعات من الأعمال والحرف والمهن، ويطور أداءهم باتجاه يحقق لهم فرص العيش الكريم أو يجنبهم البطالة على أقل تقدير، فلم يعد العمل للأسف الشديد كافيا للحياة الكريمة او لتجنب الفقر.

المشكلة ليست فقط في ثقافة العيب فهذه خرافة يستخدمها كثير من الشركات وأرباب العمل لتبرير التهرب من اتفاقات وعقود عمل مؤسسية خاضعة لقوانين العمل والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وتفضيلا لعمال مغلوبين على أمرهم يمكن أن يقبلوا بالشروط والظروف غير الإنسانية وغير المقبولة للعمل والحياة.

إن تشديد القوانين والتغاضي عن المظالم التي تقع على العمالة الوافدة أضر أيضا بالعمالة الوطنية، وعندما تتساوى الظروف والشروط القانونية للعمل، فإن العمالة الوافدة لن تعود خيارا مفضلا لدى أصحاب العمل والشركات.

هذه الاقتراحات ليست بدعا ولا أمرا جديدا، فالدول التي تستقبل عمالة وافدة مضت بعيدا في تنظيم هذه العمالة وحمايتها أيضا، ولا يعقل أن تستمر حالة الفوضى الجارية في هذا القطاع، وبخاصة أن الصحف المحلية والعربية أيضا تتحدث وأحيانا بمبالغة كبيرة عما يجري من مشكلات وتجاوزات.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق