أي تركيا في أي أوروبا؟

تم نشره في الجمعة 2 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

إن تعبير "زوبعة في فنجان" قد يكون هو الوصف الأفضل للمشاحنات الجارية حول مسألة افتتاح الاتحاد الأوروبي لمفاوضات الانضمام مع تركيا. فقد احتلت هذه القضية جزءاً من الحملة الانتخابية في ألمانيا، حيث كان البرنامج الانتخابي للمستشارة ميركيل يعرض على تركيا وضع "الشراكة المتميزة" بدلاً من العضوية الكاملة. أما موقف الحكومة في النمسا - الذي تأثر بنفس القدر بانتخاباتها القادمة فيما يتصل بالسياسة الخارجية- فقد بدا وكأنها تهدد مسألة بدء محادثات الانضمام ذاتها.

لكن السياسة الخارجية الألمانية كانت تتسم دوماً بالاستمرارية، والحقيقة أن وزير الخارجية الجديد فرانك والتر شتاينميير، الذي كان رئيساً لهيئة الأركان أثناء ولاية المستشار السابق جيرهارد شرودر، قد أعلن على نحو متكرر عن تأييده لمنح تركيا العضوية الكاملة. وعلى هذا فليس من المرجح أن يتبنى الائتلاف الأكبر توجهاً سياسياً بشأن تركيا يختلف عن موقف حكومة الخضر/ الحمر السابقة.

وبعد قليل من الدراما تخلت النمسا أيضاً عن معارضتها لمحادثات الانضمام، في مقابل وعد بانضمام كرواتيا، وبهذا انتهت المشاحنات بين الأوروبيين. وكذلك حقق البريطانيون، تحت رئاسة توني بلير الحالية لمجلس وزراء الاتحاد الأوروبي، مرادهم في الوقت الحالي، والأميركيون - المؤيدون المتحمسون لطموحات تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- نجحوا أيضاً مرة أخرى في العمل كـ"قوة أوروبية". والآن أصبحت مفاوضات الانضمام مع تركيا حقيقة واقعة.

لكن قدراً كبيراً من المناقشات بشأن انضمام تركيا المحتمل للاتحاد الأوروبي تركز على القضايا الخطأ: وهي على سبيل المثال، ما إذا كانت تركيا "منسجمة" ثقافياً مع أوروبا، أو ما إذا كانت أوروبا "مسيحية" على نحو ما، وما إذا كانت قادرة على استيعاب مائة مليون مسلم. إن القضية الحقيقية هنا- وهو ما لا يختلف عليه حتى أغلب الأتراك- تتلخص في أن تركيا ليست مستعدة على المستوى الاقتصادي، وفي المقام الأول، لم تبلغ بعد كنظام ديمقراطي النضج الكافي الذي يسمح لها بعضوية الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من التقدم الملموس إلا أن عملية الديمقراطية هناك تشبه جسداً بلا رأس أو أطراف. فما زالت حقوق الإنسان والحقوق المدنية هناك لا ترقى إلى المعايير الأوروبية الغربية، وما زال الاعتراف بحقوق الأقليات الدينية والعرقية مجرد حبر على ورق، وما زال الإقرار بحملة التطهير العرقي للأرمينيين مجرد قول بلا فعل، وما زالت السيطرة المدنية على الآلة العسكرية ضعيفة.

والحقيقة، أن إثارة هذه القائمة الطويلة من نقاط الضعف تجعل المنتقدين الغربيين في موقف غير مريح مع مفاوضيهم الأتراك من المؤيدين لأوروبا. كما إن القوى المؤيدة للغرب في تركيا ترى نفس العيوب والنقائص التي يراها المنتقدون الأوروبيون في النظام السياسي لبلادهم، لكنهم يتوقعون أن يؤدي التطلع إلى عضوية الاتحاد الأوروبي إلى التعجيل بمسيرة الإصلاح. ومن ناحية أخرى فإن الأتراك القوميين ينظرون إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره تأكيداً للسلطة الوطنية، كما يرون في كل انتقاد للبلاد انتهاكاً للشرف الجمعي لتركيا.

ولو كانت مفاوضات الانضمام قد تأجلت أو ألغيت، فلا بد وأن هذا كان قد يعرض الأتراك من المؤيدين لأوروبا لردة فعل معادية من جانب القوميين الأتراك. وحتى الآن فإن الحب الذي تكنه تركيا لأوروبا من طرف واحد قد يتحول بالتدريج إلى بغض ومقت، مع استمرار الأصولية الإسلامية وقومية "تركيا العظمى" في تمثيل خيارات أخرى ذات توجهات شرقية.

وعلى هذا فقد وجد المؤيدون للانضمام المشروط أنفسهم تحت ضغوط غير عادية تدفعهم إلى تلطيف الأجواء، حتى في ظل الاستفزازات المنظمة من قِـبَل مسؤولين أتراك، مثل الدعوى القضائية التي رفعت مؤخراً ضد الكاتب الشهير أورهان باموك بتهمة "التشهير بالهوية التركية"، لأنه تجرأ على التشكيك في الموقف الرسمي من الإبادة العرقية الأرمينية. ونتيجة لهذا فقد اتسمت المناقشات حول الانضمام بالافتقار العام إلى الوضوح بشأن الهيئة التي ينبغي أن تكون عليها تركيا كي تُـقْـبل كعضو في الاتحاد الأوروبي، حيث تركز هذه المناقشات - على نحو يشبه ما حدث في الاستفتاءات الأخيرة على دستور الاتحاد الأوروبي في فرنسا وهولندا- على مبادئ عامة لا مغزى لها.

لكن الأهم من ذلك هو أن الافتقار إلى الوضوح بشأن قضية انضمام تركيا يعكس ازدواجية أوروبا فيما يتصل بصورتها ذاتها. ومما لا شك فيه أن تركيا تبدي اختلافات سياسية وثقافية ملموسة، وبصورة خاصة حين يتعلق الأمر بأهمية المجتمع المدني، والمساواة الجنسية، والدور الذي يلعبه الدين في الحياة العامة. لكن السؤال الحقيقي هنا هو: ما هي الهيئة التي يريدها الأوروبيون أنفسهم لأوروبا؟

إن "تعميق" و"توسيع" التكامل الأوروبي يشكلان متناقضين سطحيين هنا. فالنمسا لا تريد المزيد من الأعضاء - مع الاستثناء المتناقض لكرواتيا- لكنها ترغب في تعميق الوحدة السياسية والثقافية للاتحاد الأوروبي. والحقيقة أن الكثيرين في "أوروبا القديمة"، بما في ذلك ألمانيا بعد استقالة شرودر وفرنسا تحت قيادة جاك شيراك الذي أصبح ضعيفاً، يشتركون مع النمسا في موقفها. أما بريطانيا، الدولة الرائدة لأوروبا "الجديدة"، فهي لا ترغب في وضع دستور للاتحاد الأوروبي، أو منح بروكسيل المزيد من السلطة التنفيذية والبرلمانية، أو تعزيز قوة البرلمان الأوروبي، أو حتى عملة اليورو.

ومثلها كمثل العديد من الأعضاء الجدد، فإن بريطانيا تفضل أوروبا مترابطة على نحو غير محكم ومؤلفة من عدة دول - أو بصورة أساسية منطقة تجارة حرة ذات حدود خارجية مفتوحة- مع قدر كاف من التنسيق الإستراتيجي لتكوين شبه إمبراطورية من الناحية الجغرافية، توازي قوة الولايات المتحدة. والفارق الجوهري هنا هو أن فكرة الاتحاد غير المحكم تلقى قبولاً لدى كافة أنماط الطامحين إلى الانضمام، بما في ذلك جورجيا، وأوكرانيا، ودول ما بعد الاتحاد السوفييتي الأخرى - بل وربما بعض الدول في شمال أفريقيا مثل المغرب- في حين أن أوروبا "متعمقة" التكامل ذات هوية سياسية واضحة، وفوائد ضمان اجتماعي مرتفعة، وانسجام ثقافي متنام، سوف تمثل كياناً منفصلاً بطبيعة الحال، ولن تجد فيها تلك الدول أية جاذبية من نوع خاص.

من قبيل المفارقة إذاً أن ما تعرضه بريطانيا على تركيا، على الرغم من معارضتها لمسألة "تعميق" التكامل الأوروبي، هو بالتحديد نفس نوع "الشراكة المتميزة" التي تؤيدها النمسا وأنجيلا ميركيل. أي أن الطرفين يرفضان فكرة جعل تركيا جزءاً من أوروبا حقاً.

يرى بعض المحللين إن البنية التي تفكر فيها بريطانيا تذكرنا بالتحالف غير المحكم الذي يربط الكومنولث البريطاني. لكن "حيلة التاريخ" هنا قد تتجلى في أنه على الرغم من نجاح بريطانيا في تحسين توقعات تركيا فيما يتصل بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن تعديل معاهدة نيس، الذي سيصبح أمراً ضرورياً في حالة انضمام كرواتيا، من المرجح أن يؤدي إلى تكامل أوروبي أكثر قوة. وعلى هذا، فإن ما قد يتحقق في النهاية هو تعميق وتوسيع الاتحاد الأوروبي في ذات الوقت، وهو الأمر الذي يبدو اليوم من قبيل المستحيل.

كلاوس ليجيوي مدير مركز الإعلام والتفاعل في جامعة جييسن بألمانيا، حيث يدرس العلوم السياسية أيضاً.

خاص بـ"الغد"، حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت/معهد العلوم الإنسانية (IWM).

www.project-syndicate.org

التعليق