سد العجز في الجبهة الدفاعية لأوروبا

تم نشره في السبت 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

إن الفجوة بين متطلبات أمن أوروبا وقدراتها العسكرية في اتساع، كما يفتقر أغلب قادة أوروبا إلى الإرادة اللازمة لاتخاذ الخطوات الضرورية لسد هذه الفجوة. فضلاً عن ذلك، فإن القوات التي بنيت بغرض الدفاع عن قلب أوروبا ضد هجمة سوفييتية، لم تعد ملائمة لتلك الأنواع من العمليات التي باتت تحدد بيئة ما بعد الحرب الباردة اليوم.

فاليوم أصبحت أوروبا في حاجة إلى تحسين قدراتها في مجال مكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والتعامل مع الدول المقصرة أو المتخاذلة، ومقاومة نشوء النزاعات الإقليمية، والاستجابة للأزمات الإنسانية. ومع ذلك فقد ظل الإنفاق الدفاعي في كل أنحاء أوروبا ثابتاً أو في انحدار.

لكن المشكلة لا تكمن في الميزانية فحسب. فقد أدت الطبيعة المفككة لتدبير الاحتياجات الدفاعية في أوروبا، والقوانين البيزنطية التي تحكم تجارة الدفاع الأوروبية، والقدرات الصناعية التي صاغها تراث الحرب الباردة إلى استنزاف قدرة أوروبا على الوفاء باحتياجاتها العسكرية.

في وجود هذه العقبات فإن الوسيلة الواضحة لتحسين القدرات الدفاعية الأوروبية تتلخص في تنسيق جهود الدول الفردية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة حلف شمال الأطلنطي بهدف إيجاد مجموعة من القدرات الدفاعية الجماعية المحسنة. فيما يجعل التداخل في العضوية بين منظمة حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي من مثل هذا التعاون الدفاعي أمراً ممكناً ومنطقياً، إن لم يكن محتوماً.

بطبيعة الحال، هناك اختيارات صعبة في الانتظار. فلا بد وأن يعمل زعماء السياسة على إيجاد الحوافز والتمويل الإضافي اللازم لإخضاع قوات أوروبا العسكرية للتغيير الضروري. وفي المقام الأول لا بد من استثمار المدخرات الناتجة عن إعادة الهيكلة في تحويل هيئة القوات العسكرية. فمن المؤكد أن الجنرالات سيكونون أكثر ميلاً إلى تحديد الكفاءات إذا ما أدركوا أن هذا سوف يمكنهم في نهاية المطاف من تعزيز قدراتهم.

كما يتعين على زعماء السياسة أن يسعوا إلى تثبيت ميزانيات الدفاع من خلال إنشاء اعتمادات مالية منفصلة تخصص لعمليات حفظ السلام المتعددة الجنسيات غير المتوقعة، كما حدث في دول البلقان وأفغانستان، وعن طريق جعل دورة التخطيط الدفاعي ممتدة لسنوات بدلاً من وضعها على أساس سنوي.

ومثل هذه الميزانيات المتوقعة من شأنها أن تمكن زعماء أوروبا على نحو أفضل من تحديد أهداف التخطيط الدفاعي التي تتعامل مع الأولويات اللازمة للتحول العسكري. وعلى أقل تقدير، لا بد من تخصيص 25% من الميزانيات السنوية للبحوث، والتنمية، وتدبير الموارد والتجنيد، ولابد ألا يزيد الإنفاق على الأفراد على 40% من هذه الميزانيات.

لن يتأتى كل ذلك بسهولة، وذلك بسبب وجود تضارب أساسي بين عملية تحديث الجيش وبين الضغوط السياسية اللازمة للحفاظ على الأجور والوظائف العسكرية. ولكن مثل هذه المقايضات أو التنازلات ضرورية إذا ما كنا نريد لقوة أوروبا العسكرية أن تفي باحتياجات القارة على الصعيد الأمني. وعلى أكثر المستويات قاعدية، يتعين على الحكومات أن تنظر بجدية في مسائل مثل التجنيد الإلزامي وقوات الدفاع الإقليمية، التي تستنزف قدراً كبيراً من الميزانية العسكرية لأوروبا. ولأن أي دولة أوروبية تعجز عن تولي الأمر بمفردها، فإن الإصلاح العسكري يتطلب قدراً أعظم من التكامل وتقاسم المعلومات، حيث ستصبح القدرة على مراقبة المعلومات عنصراً أساسياً في النزاعات المستقبلية.

والإسهام في جهد مشترك فيما يتصل بالبنية الأساسية (القواعد والموانئ والمرافئ) والأصول اللوجستية (وسائل النقل، بما في ذلك مرافق التدريب على المعدات المشتركة، من شأنه أن يؤدي إلى قدر كبير من المدخرات، حيث يصبح في إمكان الدول الفردية ترشيد "الذيول اللوجستية" الطويلة التي تتمثل في الأفراد والمعدات اللازمة لمساندة الجيوش في الميدان. ويتعين على الدول أن تؤسس الشراكات عبر الحدود الوطنية مع الحلفاء من ذوي التفكير المماثل، وهو نموذج يتجسد في القوة "البرية البحرية الجوية" المشتركة بين إسبانيا وإيطاليا.

ويتعين على الدول التي تعجز عن إنشاء قوات حملات ميدانية قادرة على أداء نطاق كامل من المهام التي يتسم بها القرن الواحد والعشرون، أن تستفيد على نحو أعظم من التخصص بهدف تعزيز إسهامها في الدفاع الأوروبي الجماعي. لكن الدول التي تتخصص في قدرة عسكرية ما لا بد وأن تفعل ذلك باعتبارها جزءاً من "مجوعة دول" بغرض تقليل المخاطر المتمثلة في مواجهة تحديات عسكرية لم تستعد قواتها للتعامل معها.

ويستطيع الاتحاد الأوروبي تقديم المساعدة من خلال تعزيز تخطيطه الدفاعي. فيتعين عليه أن يبين بوضوح الأدوار والمهام العسكرية التي من المفترض أن تضطلع بها أوروبا في المستقبل، وأن يحدد القدرات العسكرية اللازمة، ويعين النقائص ونقاط الضعف، ويطور المشاريع والمبادرات اللازمة للتعامل مع أكثر الثغرات خطورة في التخطيط الدفاعي.

كما يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ الخطوات اللازمة لتحسين القدرات التي تتطلبها إدارة العمليات. ولابد من تعزيز "المجموعات القتالية" الجديدة التابعة للاتحاد الأوروبي من خلال التدريب المنتظم والتوثيق، ومن المستحسن أن يتم ذلك باستخدام معايير منظمة حلف شمال الأطلنطي. كما يتعين على اللجنة العسكرية التابعة للاتحاد الأوروبي أن تحرص على عقد مؤتمرات دورية منتظمة للمجموعات القتالية بغرض حث الدول على المساهمة في التشكيلات المستقبلية.

ولكي يتمكن الاتحاد الأوروبي من أداء الدور المطلوب منه فلابد من اعتماد ميزانيات أضخم. ذلك أنه بات من الضروري توسيع المجموعات القتالية بحيث تتضمن عناصر بحرية وجوية قادرة على الاضطلاع بمهام مثل عمليات الحظر البحري والمساندة القريبة للقوات الأرضية. ولابد من زيادة التمويل المشترك للعمليات، ومن الضروري الاستمرار في تشجيع الدول الأعضاء على تجهيز قوات الشرطة والقوات المدنية لديها بحيث تصبح قادرة على الانتشار في عمليات حفظ السلام، مثلها في ذلك مثل قواتها العسكرية.

كل هذه الإصلاحات تتطلب التنسيق مع منظمة حلف شمال الأطلنطي. وعلى الرغم من تحسن علاقات العمل القائمة بين منظمة حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي، إلا أن المزيد من الخطوات لابد وأن تتخذ لتقليل سوء الظن وعدم الثقة، والمنافسة غير الصحية، وإزالة العقبات التي تحول دون مشاركة المعلومات. ويتعين على الكيانين أن يعملا على توسيع الحوار الاستراتيجي بينهما فيما يتجاوز تركيزهما الحالي على دول البلقان وأفغانستان.

ولكي يتسنى هذا، فلابد وأن يتسع الحوار السقيم بين مجلس شمال الأطلنطي واللجنة السياسية الأمنية للاتحاد الأوروبي، والذي غالباً ما يكون مكتوباً مسبقاً، بحيث يتضمن مواضيع مثل مكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وبحيث يستوعب مناطق أخرى مثل أوكرانيا ومولدوفا. وهذا من شأنه أن يمكن منظمة حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي من تقييم سيناريوهات المستقبل وإيجاد السبل للعمل سوياً على منع الأزمات والتعامل معها.

كما تشكل الصناعة الأوروبية أيضاً عاملاً حيوياً في التكامل الدفاعي الأوروبي، لكنها تعاني من الطلب المفتت، والقوانين التجارية العقيمة التي تحكم التعامل التجاري بين دول أوروبا، والبنية الأساسية العسكرية العتيقة منذ أيام الحرب الباردة. والحقيقة أن التخصص في القدرات العسكرية والجهود الصناعية من قِـبَل عدد معين من الدول يعطينا بعض الأمل، لكنه يحتاج إلى التنسيق الجيد من أجل تجنب التكرار وضمان القدرة على العمل المشترك.

فضلاً عن ذلك، فلابد من استخدام التجارة الدفاعية بين ضفتي الأطلنطي في تعزيز القدرات الأوروبية بأقل كلفة ممكنة. ولابد وأن يضطلع كل من الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلنطي بدوره في العمل مع الهيئات الصناعية من أجل تعزيز قدرات أوروبا الدفاعية.

مما لا شك فيه أن المزيد من التكامل العسكري في أوروبا سوف يتطلب قيادة معززة من قِـبَل رؤساء الحكومات، والمسؤولين العسكريين، وقادة منظمة حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي. وهذا ليس بالتحدي البسيط، ولكن ليس هناك بديل صالح. فالمزيد من التكامل الدفاعي في أوروبا ليس مجرد فكرة جذابة أو مثيرة للاهتمام، بل إنه يشكل حاجة ملحة لا سبيل إلى اجتنابها.

جنرال كلاس ناومان الرئيس الأسبق للجنة العسكرية لحلف شمال الأطلنطي ورئيس هيئة الأركان الأسبق للقوات المسلحة الألمانية.

خاص بـ "الغد" حقوق النشر لبروجيكت سنديكيت

www.project-syndicate.org

التعليق