إبراهيم غرايبة

العنف في فرنسا وصعود الهويات

تم نشره في الثلاثاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

تؤشر أحداث العنف في فرنسا والتي تعود إلى حالة الاحتجاج والشعور بالسخط والتمييز، وأعمال التفجير التي وقعت في لندن في تموز الماضي على يد مجموعة من المسلمين الذين ولدوا في بريطانيا على أن أوروبا لم تكن بمعزل عن حالة صعود الهويات التي رافقت الموجة الأخيرة للعولمة، وهددت بتفكيك الدول وإعادة إنتاجها وفق أسس وحدود جديدة مختلفة عما كانت عليه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

بدأ الغرب الحديث عن صعود الهويات ومشكلات الأقليات والقوميات والشعوب الأصلية التي تتعرض لحالات فظيعية من التهميش والإبادة والإلغاء وكأن المسألة تخص إفريقيا وآسيا، وأن الغرب الأوروبي والأميركي بمعزل عن الأزمة وتداعياتها.

وجرت معالجة الظاهرة ودراستها وتصميمها على نحو يبدو أن اليمن هو الذي احتل أستراليا، وأن إندونيسيا هي التي مزقت إفريقيا واستنزفت ثرواتها ومواردها وعبثت بممالكها وتركيبتها السياسية والاجتماعية، وأن بوركينا فاسو هي التي استولت على ثقافات وأراضي وأملاك الشعوب في أستراليا والقارة الممتدة وراء الأطلسي وأسمتها أميركا متجاهلة سكانها الذين كانوا في نهاية القرن الخامس عشر لا يقلون عن عدد سكان أوروبا في ذلك الوقت، وأن تونس هي التي أنشأت تجارة العبيد ونقلت عشرات الملايين من الأفارقة لاستعبادهم في بلاد وجزر بعيدة، وأن المدغشقريين كانوا يعدمون من يتعلم القراءة والكتابة من الأفارقة!

احتلت بريطانيا القارة الهندية لأكثر من مائتي سنة دمرت أثناءها نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومزقتها إلى دول وشعوب وأمم وتركتها قاعا صفصفا يتجاوز عدد المعدمين فيها والجائعين السبعمائة مليون إنسان، وفشلت على مدى مئات السنين التي احتلت فيها الهند في أن تساعد الناس على إدارة مواردهم وحياتهم على النحو الذي يطعمهم ويكسوهم، علما بأنهم كانوا قبل مجيئها إليهم في مستوى ثقافي واقتصادي متقدم بكثير على الحالة التي تركتهم فيها بريطانيا بعد مائتي سنة.

وفرنسا التي احتلت إفريقيا ومزقتها ودمرت مجتمعاتها ومواردها وثرواتها على مدى مئات السنين تبدو اليوم عاجزة عن استيعاب بضعة ملايين من أبناء مستعمراتها حتى عندما منحتهم الجنسية والمواطنة وبعد عشرات السنين من إقامتهم فيها، بل ولأبنائهم الذين ولدوا فيها، فالبطالة بين الفرنسيين من أصل إفريقي تزيد على البطالة بين الفرنسيين الأصليين بنسبة 50%، والجامعيون العاطلون عن العمل من الفرنسيين الأفارقة يبلغون خمسة أضعاف الجامعيين العاطلين عن العمل من الفرنسيين الأصليين، بمعنى آخر فإن الأبواب مغلقة أمامك عندما تكون عربيا أو أفريقيا، ولا أهمية للجنسية والمواطنة الفرنسية التي تحملها، ولا للشهادة التي منحتك إياها الجامعات الفرنسية.

ولكن العرب والمسلمين والأفارقة يحتاجون أن يواجهوا أنفسهم أيضا، لماذا لم يستطيعوا تطوير هوية تسمح لهم أن يكونوا عربا أو مسلمين أو أفارقة وشرقيين وأن يكونوا أوروبيين في الوقت نفسه. فالهوية ليست أمرا ثابتا وجامدا لا يقبل القسمة والازدواجية والتطور، ولكن يشكلها الناس في تفاعلهم مع أفكارهم ومع المكان على النحو الذي يمنحهم الاستقرار والأمان والشعور بالعدل والرضا.

استيطان المكان يعني الانتماء إليه ومشاركة أهله، لأن احتياجات الناس تقوم وفق علاقة مع المكان، ولتنظيم أنفسهم بالتجمع والانتخاب وإدارة احتياجاتهم فإنهم بحاجة إلى علاقة واحدة مشتركة مع هذا المكان، وهذه المسألة الأساسية في بناء الوحدة الوطنية وليست المشاعر والأفكار وحدها، ففي المدن والمجتمعات والأنظمة الاقتصادية التي تشكل الخدمات فيها نسبة عالية تتشكل فيها علاقات الناس وفق المصالح والمهن والاحتياجات، وإذا لم تنظم علاقات الناس ومواطنتهم وفق هذه القاعدة فإن المجتمعات والمصالح معرضة للتصدع والانهيار، وهذا هو الدرس الذي يجب أن تخرج به أيضا الأحزاب والجماعات والمجتمعات في بلادنا وهي تفكر في مستقبلها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق