العالم العربي في مواجهة الفوضى البناءة

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

 قبل أيام استمعت بالصدفة إلى جانب من محاضرة ألقاها الدكتور اسامة الباز المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك في كلية العلوم السياسية في جامعة القاهرة, وكانت المحاضرة على شاكلة الدرس التعليمي. أهم ما أثار انتباهي في محاضرته هو ما نقله عن آخر لقاء للرئيس مبارك مع القيادة الصينية في آخر زيارة له للصين. فبعد الترحيب، عادة ما يتخذ الحديث ثلاثة عناوين هي الوضع الدولي والأوضاع في منطقة كلا الوفدين والعلاقات الثنائية.

   بدأ الرئيس الصيني حديثه عن الوضع الدولي قائلا: ان الوضع السياسي الدولي مليء بالفوضى على المستوى العام وفي أكثر من منطقة وهذا جيد. يقول د. اسامة ان هذا أثار تساؤلي واعتقدت ان المترجم أخطأ في الترجمة فاستوضحته ولكنه أكد ما قاله على لسان رئيسه. وطلبت ان يستفسر من رئيسه للتأكد فرد علي انه لا يستطيع ذلك فهو مترجم لا غير, وأشار لي بأدب بانه بامكان الرئيس مبارك فقط أن يستفسر منه وعندها يمكنه ترجمة الاستفسار.

   لكن الرئيس الصيني تابع حديثه موضحا مفهومه السياسي: لماذا حالة الفوضى السياسية الدولية جيدة؟ لأنّ هذه الفوضى ستثير شعوب ودول العالم وتدفعها للعمل من أجل إنهاء حالة الفوضى السياسية في العلاقات الدولية, لان استمرار الفوضى سيهدد الاستقرار والأمن الدوليين وأمن واستقرار شعوب العالم كافة.

   وبمعزل عن صوابية او خطأ هذا الاستنتاج الذي نقله الدكتور اسامة على لسان الرئيس الصيني إلا أن الفوضى في العلاقات الدولية كثيرا ما أوصلت للتصادم المسلح, ودفعت الشعوب اكلافا باهظة نتيجتها, فالفوضى التي يعيشها الوضع الدولي الآن تدلُّ على ان هناك شعوبا دفعت ولا تزال تدفع من مقدراتها وحريتها وسيادتها ودماء ابنائها ثمن هذه الفوضى.

   استنتاج الرئيس الصيني يمكن ان يكون مفيدا للدول المستقرة والقوية والدول التي تتطلع لدور قيادي متزايد في العالم لان الفوضى ستضعف شعوبا ومناطق عديدة وستضعف وتضر بهيبة الدولة الأكبر والقائدة في هذه المرحلة وهي الولايات المتحدة الاميركية, ما يؤدي إلى الاتفاق على صيغة للتعاون الدولي لإدارة شؤون العالم. وما يلفت الانتباه ويثير التساؤل في هذه المرحلة هو خروج منظري الإدارة الأميركية من اليمين المحافظ بنظرية سياسية جديدة في العلاقات الدولية هي "نظرية الفوضى البناءة" بعد نظرية "الحرب الاستباقية" إذ تحولت هاتان النظريتان المثيرتان للتساؤل والقلق الى مرتكز أساسي من مرتكزات السياسة الخارجية للقوة الأعظم في العالم!

   وحدود هذا التقاطع في النظرة للوضع الدولي بين القوة المهيمنة على العالم "اميركا" والقوة الصاعدة "الصين" لا يعني التوافق بينهما أو في سياستهما أو في نظرتهما للوضع الدولي وكيفية إدارته. فاميركا قامت كقوة امبريالية وتعاملت مع شعوب ودول العالم انطلاقا من ايديولوجيتها هذه, بينما الصين كافحت للتحرر من الاستعمارين البريطاني والياباني, وأقامت دولتها الحديثة على أساس اشتراكي مؤيد لحرية الشعوب واستقلالها ومكافحة الاستعمار والرأسمالية والهيمنة بما فيها هيمنة الولايات المتحدة.

   إن هذا التقاطع في النظرة للوضع السياسي الدولي رغم اختلاف المنطلقات بين أكبر قوة قائدة وبين أكبر قوة صاعدة يدلل على هشاشة الوضع السياسي الدولي في هذه المرحلة وفي قلبه منطقتنا العربية. هذا الوضع السياسي ناجم عن الظروف التي مرت بها وعاشتها - ولا زالت- شعوب المنطقة من جهة، وعن السياسة الاستعمارية في المنطقة لعقود عديدة مضت بما فيها إقامة اسرائيل في قلب المنطقة من جهة ثانية, وعن عملية النهب لثروات المنطقة وبخاصة الثروة النفطية والسيطرة على أسواقها وموقعها الاستراتيجي من جهة ثالثة.

   لقد زُجت المنطقة ودولها في خدمة مخططات سياسية عسكرية مبنية على استراتيجيات "احتواء الخطر الشيوعي"، و"الاحتواء المزدوج لكل من ايران والعراق"، و"بناء السلام"، وآخرها وليس أخيرها نظريتا الحرب الاستباقية "الحرب على الارهاب" و"الفوضى البناءة" من أجل إعادة تشكيل المنطقة في إطار ما سمي الشرق الأوسط الكبير.

   ومن يتفحص استراتيجيتي "الحرب الاستباقية" و"الفوضى البناءة" يجدهما مكملتين لبعضهما بعضا وتخدمان مخططا اميركيا واحدا وهو تبرير شن الإدارة الأميركية الحرب على أية دولة في العالم لمجرد اعتبارها معارضة لسياستها أو مخالفة لايدولوجيتها. أما المبررات والذرائع فتأتي لاحقا، واذا لم تكن مقنعة لاحد اليوم لا يهم, فالمطلوب من المجتمع الدولي المساعدة في تحمل نتائج حرب اميركا كما كان الوضع في الحرب على العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل.

   وكلا الاستراتيجيتين أي الحرب الاستباقية والفوضى البناءة تهدفان إلى تبرير التدخل الأميركي في شؤون الدول الأخرى لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية خصوصا وفقا لرؤية الرئيس بوش والمحافظين الجدد وبما يخدم مصالح وهيمنة اميركا على المنطقة وموقعها ونفطها بخاصة, اعتمادا على القوة العسكرية وتحت قيادتها.

   لم يسجل التاريخ في الماضي بأن الفوضى كانت بناءة في أية تجربة سياسية أو اجتماعية, فالفوضى جرّت المجتمعات للصراعات وتبديد مقدراتها وربما للحروب الأهلية, والمستفيد من الفوضى غالبا هي القوى ذات الأطماع التوسعية التي تتربص ذريعة ما من أجل التدخل في الشؤون الداخلية خدمة لمصالحها واستراتيجيتها في هذه المنطقة أو تلك. وهنا يجب التفريق بين افتعال "الفوضى" ووصفها "بالبناءة" وبين التغير والثورة السياسية والاجتماعية الهادفة إلى دحر الاحتلال وإنهاء الاستبداد خدمة للشعب وحريته وتقدمه واستقلاله.

   وما ينطبق على استراتيجية "الفوضى البناءة" ينطبق بالقدر نفسه ان لم يكن أكثر على استراتيجية "الحرب الاستباقية"؛ فالحرب الاستباقية أو الوقائية أو كما سمتها اسرائيل "الحرب الرادعة" لتبرير عدوانها على شعوب المنطقة واحتلالها للارض الفلسطينية والعربية, هي وسيلة الطرف الأقوى وأداة من أدوات التوسع والهيمنة, هذا ما حدث ويحدث على أيدي الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وعلى أيدي الإدارة الأميركية بقيادة المحافظين الجدد في العراق وافغانستان وأكثر من منطقة في العالم.

   لمواجهة هذه الاستراتيجيات العدوانية يجب ان يتوحد المجتمع الدولي حول مفاهيم "الاستقرار البناء" وحرية واستقلال الشعوب ومواثيق الأمم المتحدة في العلاقات الدولية والقائمة على الاحترام المتبادل والعدل وحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض سياسات الهيمنة والاستعمار الجديد وشريعة الغاب, المتلفعة بمفاهيم "الحرب الاستباقية" والفوضى البناءة وغيرها.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية

(من داخل سجن عوفر الإسرائيلي)

التعليق