محمد أبو رمان

الطريق الأوروبي لتحقيق الطموح التركي

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

تمثل موافقة الاتحاد الأوروبي على بدء المفاوضات العملية لانضمام تركيا انتصارا جديدا يحققه حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة إردوغان خلال ثلاث سنوات هي عمر الحزب في السلطة وأربع سنوات هي عمر الحزب نفسه. وقد واجه الحزب تحديات رئيسة منذ فوزه الساحق في الانتخابات النيابية في تشرين الثاني 2002، أبرزها التعامل مع العسكر التركي، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تمر بها البلاد والتي كانت الأسوأ في تاريخ تركيا منذ خمسين عاما، وأخيرا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

لا يعني البدء بمفاوضات الانضمام أن المرحلة القادمة سهلة وسريعة، بل هي صعبة، وتتطلب جهودا كبيرة ومفاوضات شاقة، وتسبقها العديد من المحطات والشروط، أبرزها الاستقرار الديمقراطي والسياسي، واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، والإصلاح الاقتصادي، وحل المشكلة القبرصية بين كل من تركيا واليونان.

في المقابل، فإنّ تحقيق شروط الاتحاد الأوروبي ومعايير كوبنهاجن سيساعد حكومة العدالة والتنمية على تطوير الأحوال السياسية والاقتصادية وتجاوز المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد. فاستقرار الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة -وهو الشرط الذي أكد إردوغان أنه يتطلب "معركة كبيرة"- سيكون المستفيد الأول منه حزب العدالة ذاته، الذي واجه منذ تأسيسه طريقا شائكة وحذرة في التعامل مع العسكر، نظرا للخلفية الإسلامية لقيادة الحزب، ما يعني أن التقدم نحو الديمقراطية وتحقيق شروط الاتحاد الأوروبي يساهم بدرجة أكبر في تحييد العسكر وإضعاف قدرتهم على العودة إلى الحياة السياسية؛ لأن أي تدخل من قبلهم سيقلل من فرص تركيا بالانضمام، ويحرمها من مكاسب استراتيجية كبيرة. كما أنّ الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يتطلب تحسين أداء الاقتصاد التركي والانفتاح أكثر على اقتصاد السوق، وهي السياسة التي سار عليها حزب العدالة، وأدت إلى إخراج الاقتصاد التركي من أزمته الأخيرة القاسية، بما انعكس إيجابيا على حياة الناس اليومية وزاد من التأييد الشعبي الذي تحظى به الحكومة، التي تمكنت خلال فترة قياسية من تحقيق جزء كبير من وعودها للشعب التركي.

وفي حال انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فإنها ستحقق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنية. سياسيا، فإن وجود تركيا ضمن اتحاد إقليمي متطور ينتمي إلى العالم الأول سيساهم في دفع المسيرة الحضارية والسياسية في البلاد خطوات إلى الأمام. أما اقتصاديا، فتتمثل المكاسب في أن انضمام تركيا إلى أوروبا المتقدمة اقتصاديا سيؤدي إلى حل جزء كبير من مشكلات تركيا الاقتصادية، خاصة البطالة التي وصلت مع الأزمة الاقتصادية الأخيرة إلى حدود مليوني شخص. كما يمكن أن تستفيد العمالة التركية من المشاريع الاقتصادية الجديدة والمتوقعة، خاصة في أوروبا الشرقية. وتبرز ميزة تركيا في هذا المجال من كون غالبية المجتمع التركي هي من العنصر الشاب والفتي على النقيض من الدول الأوروبية. ويضاف إلى ما سبق، أنّ نصف تجارة تركيا مع الاتحاد الأوروبي. ووفقا للعديد من التوقعات، فإن الاقتصاد التركي قد يحقق نسبة نمو كبيرة تبلغ 10% في العام 2006، مما يعني أن تركيا مقبلة على مرحلة ازدهار اقتصادي كبير. أما من الناحية الأمنية، فتطمح تركيا إلى لعب دور في صياغة المفاهيم الأمنية الأوروبية الجديدة والمرتبطة بأوروبا الموحدة.

يبقى أن الإنجاز الحقيقي الذي يمكن أن يتحقق من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي هو تجاوز عائق الهوية واختلاف الأديان، في ظل إصرار تيار عريض من الأوروبيين على اعتبار أوروبا "ناديا مسيحيا". فانضمام تركيا يعطي فرصة أكبر لإمكانية التعايش الديني والثقافي بين الأديان والحضارات المختلفة، وهو ما استطاع أن يلتقطه إردوغان بذكاء في خطابه عندما قال: "إن على الاتحاد الأوروبي أن يقرر إما أن يصبح قوة ولاعبا عالميا عبر إثبات نضج سياسي، وإما أن ينخرط في ناد مسيحي". وهو ما يوفر لتركيا ميزة أخرى، وهي أن تتحول إلى جسر العبور الحضاري بين الشرق والغرب، خاصة في الصيغة المتقدمة التي يتبناها حزب  العدالة حول الإسلام وحوار الحضارات.

يبدو واضحا من الموافقة الأوروبية على بدء مفاوضات الانضمام أن رؤية برنامج حزب العدالة والتنمية تسير بالاتجاه الذي خطط له، والذي من المتوقع أن ينقل تركيا نقلة نوعية عندما يستكمل خطواته التالية.

[email protected]

التعليق