إبراهيم غرايبة

رمضان شهر المسلسلات

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

  كيف تحول شهر رمضان إلى موسم الإنتاج الدرامي في الوطن العربي؟ فالمسلسلات يجرى الإعداد لها على مدى العام لتبث في رمضان، ولم تعد تصدر مسلسلات جديدة في غير رمضان. وتبث الفضائيات العربية على الأقل خمسين مسلسلا جديدا في شهر رمضان لهذا العام، وهو ما سيجعل متابعتها أمرا متعذرا.

    وفي الوقت الذي تزدحم فيه الشاشات العربية بالمسلسلات الجديدة، فسوف يمضي المشاهد بقية العام بلا مسلسل جديد، وستكون فرصته في عملية الاجترار التي ستمارسها المحطات التلفزيونية ليشاهد مسلسلا لم يتح له مشاهدته في رمضان.

    ويجب أن تكون المسلسلات الرمضانية، بالطبع، مكونة من ثلاثين حلقة على الأقل لتناسب طبيعة الموسم الرمضاني، فيغلب على المسلسلات طابع الإطالة المتعمدة، وبطء قاس في الإيقاع، ومبالغة في عرض المشاهد الفقيرة ابتداء، وتُحشى المسلسلات بحوارات وأفكار ومشاهد بقصد ملء الفراغ، فتتحول مشاهدة المسلسل إلى عملية تعذيب.

    وتسطح الشخصيات والمشاهد لأن الخيال والتعقيد يقع ابتداء في التكثيف والبلاغة التصويرية التي يستغنى عنها لأغراض الإطالة وتقليل التكاليف، ولأن العمل الروائي الذي يحتاج التعبير عنه إلى جهد درامي وإخراجي استثنائي ومكلف يصبح غير صالح، فيستغنى عن الأعمال الروائية الناجحة والقوية، والتي لقيت قبولا ونجاحا بصفتها عملا أدبيا ممتعا وناجحا، ليكون البديل الكتابة خصيصا للمسلسلات التي ستعد؛ فيتم اختيار أعمال لم تخضع للتنافس ولا جربت في سوق النشر والتوزيع والقراءة، بل وتكتب وتصاغ على النحو الذي يبسط عملية الأداء والتصوير والإخراج ويقلل تكاليفها إلى الحد الأدنى.

    وبسبب ضغط العمل والوقت، فإنها غالبا ما تكون "شلفقت" اعتمادا على مظنة غباء المشاهد، أو قبوله بكل ما يعرض أمامه أو يفرض عليه، واستنادا إلى ذكريات تفرد التلفزيونات الرسمية وسيطرتها على الفضاء، ما جعل الدراما تعرف أقزاما ومجاهيل لا علاقة لهم بالأدب والفن سوى العلاقات الرسمية والشخصية، وتجاهلا لانفتاح الفضاء بلا حدود، والإتاحة اللا نهائية التي يمنحها الريموت كونترول للمشاهد.

     مقدمة هذا المقال لا تنفى أن الدراما العربية بخير وعافية، وتشهد زخما كبيرا يدل عليه العدد الكبير للمسلسلات، والقدر الكبير من الأفكار والصور واللمسات الإبداعية الجديدة، والتطور في الإعداد والتصوير والإخراج، واستحضار التاريخ والتحديات والتحولات الكبيرة التي تجري على المجتمعات والدول، والأفراد أيضا.

      ولكن الدراما العربية التي وظفت الوحدة اللغوية العربية جيدا، واستفادت من انتهاء احتكار الفضاء، بحاجة إلى أن تجتاز قواعد التسويق الجديدة التي تفرض توقيت المسلسلات في رمضان، وأن تكون ثلاثين حلقة بالتمام والكمال؛ وربما تحتاج إلى تحول استراتيجي باتجاه السينما لتحتكم مباشرة إلى الجمهور، وتعتمد على التذاكر والوسائط الفردية للعرض، وتكسر قاعدة الاعتماد الاستراتيجي على المحطات التلفزيونية في التمويل والتسويق، لأنها مهما كثرت لن تكون سوقا تنشئ تنافسا وعرضا وطلبا يطور الدراما ويجعلها تحت المراقبة والاختبار.

   كانت حصة الأردن هذا العام (بحدود متابعتي) خمسة مسلسلات، أنتجها جميعا المركز العربي للخدمات السمعية والبصرية. وهي أردنية بمعنى إنتاجها في الأردن، لكن واحدا منها فقط يمكن اعتباره أردنيا (شو ها الحكي؟) وثلاثة منها عربية (الطريق الوعر، وآخر أيام اليمامة، والمرابطون والأندلس) والخامس سوري بمشاركة أردنية (الشمس تشرق من جديد).

     ويبدو أن الدراما المصرية استعادت المبادرة بعد فترة انحسار أمام الموجة السورية، وقد يكون مسلسل "المرسى والبحار" أهم المسلسلات العربية لهذا العام. وشهدت الدراما المصرية اختراقا سوريا ربما للمرة الأولى، عندما أخرج هيثم حقي المسلسل المصري "أحلام في البوابة"، من تأليف أسامة أنور عكاشة. والواقع أن الفضاء العربي الموحد ينشئ واقعا عربيا جديدا عجزت السياسة عن تحقيقه.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ولكنها نقابتك (ركان نصر الله)

    الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2005.
    كان يفترض بالكاتب إبراهيم غرايبة ان يدافع عن نقابة الصحفيين نقابته وان يساهم في تقويتها في مواجهة محاولات نزع مكاسبها وتأثيرها.
    فليس الوقت اليوم هو انتقاد النقابة حتى لو كان النقد صحيحا ولكن المطلبو من الصحفيين والنقابيين جميعا التضامن مع نقابة الصحفيين حتى لا تتحقق مخاوف الكاتب غرايبة من نزع فرص الحماية عن سوق العمل والمهن،واستغلال الموارد البشرية والعمالة الأردنية دون حماية من حكومة ولا نقابات فاعلة.
    المهم الآن هو إفشال تعويم العمل المهني وبعد ذلك يمكن النضال لأجل تطوير النقابات ودمقرطتها
  • »نقد درامي وليس موعظة (محمد الأسلمي)

    الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2005.
    كان يجب ان ترفق العبارة السابقة مع عنوان المقال فقد ظننت للوهلة الاولى انها موعظة دينية تعبر سلفا عن ضرورة الانشغال بالذكر والعبادة وليس بالمسلسلات
    ولكنها كانت مقالة نقدية للدراما العربية.