محمد أبو رمان

هل تسير حماس على خطى فتح؟

تم نشره في الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

  على الرغم من التصعيد الإسرائيلي الجديد وبعيدا عن مناقشة الرسالة التي أراد شارون إرسالها إلى حماس والفلسطينيين عموما بأعماله الإرهابية، فإن التصريحات الصحافية لمحمد غزال (أحد قادة حركة حماس) قبل تفاقم الوضع الأمني والتي تتضمن استعداد الحركة للتفاوض مع الإسرائيليين، والتلميح ضمنيا بتعديل ميثاق الحركة، تمثل تأكيدا على سياق التحول في استراتيجية وأفكار الحركة السياسية، وعلى المسار الجديد الذي بدأت تخطه منذ قبولها الانخراط في العملية السياسية الجارية في إطار التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أما مسألة تراجع غزال فيما بعد عن تصريحاته فيمكن أن تفسر على أن الرسالة قد وصلت بالفعل إلى الأميركيين والإسرائيليين، دون الحاجة إلى التورط في تقديم تنازلات مسبقة مجانية أو خسارة الرصيد الشعبي للحركة نتيجة هذا التحول.

  ويبدو أن الهدف الرئيس من تصريحات غزال هو إرسال إشارات إلى الولايات المتحدة وإسرائيل باستعداد الحركة أن تعدل في ممارستها، وأن تندمج في شروط المرحلة السياسية القادمة. ومن الواضح أن هذه الإشارات تدل على قلق الحركة من تصريحات شارون الأخيرة الرافضة لمشاركتها في السلطة من خلال انتخابات المجلس التشريعي. فتصريحات شارون تكتسب قوة لدى الإدارة الأميركية والعديد من الدول الغربية بعد انسحابه من غزة، وبعد أن تمكنت الدعاية الإسرائيلية من الزج باسم حماس في عداد المنظمات الإرهابية العالمية على قائمة الولايات المتحدة.

الإشارات التي أرسلها غزال في غاية الذكاء؛ فنجاح السلطة الفلسطينية لا يمكن أن يتحقق من دون موافقة حماس، خاصة في قطاع غزة الذي يمثل معقلا للحركة، ويدرك محمود عباس تماما أن الحركة بإمكانها عرقلة العملية السياسية وإفشالها. في المقابل، ما أراد غزال قوله للأميركيين والإسرائيليين بأنه إذا كان مصدر التخوف من حماس ورفض مشاركتها في السلطة يتمثل بموقفها المبدئي من إسرائيل والتسوية، فإن حماس على استعداد كامل لتعديل مواقفها ورؤيتها والدخول في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين، ما يعني منطقيا القبول بالبدائل الواقعية المطروحة على طاولة المفاوضات، التي كانت تعلن الحركة سابقا رفضها المطلق لها.

   في بداية التحول كان قادة حماس يصرون على أن الحركة لم تتراجع عن مواقفها من التسوية والصراع، وأن الاستراتيجية الجديدة للحركة تقوم على "الطريق المزدوج"، أي الإمساك بالبندقية والسير في العملية السياسية لتجديد هياكل السلطة وتطعيم المؤسسات السياسية الفلسطينية. ولم يخف بعض قادة الحركة أنهم متأثرون بنموذج حزب الله اللبناني الذي يشارك في العملية السياسية ويحمل السلاح في آن معا. لكن ما يجب أن تدركه حماس أن نموذج حزب الله لا يمكن استنساخه في فلسطين، فالشروط الإقليمية والداخلية التي حملت حزب الله في المرحلة السابقة مختلفة تماما عن الشروط التي تعمل في سياقها الحركة. كما أن الأجندة السورية-الإيرانية، الراعية لحزب الله، مختلفة تماما عن الأجندة المصرية. والتركيبة الداخلية الفلسطينية مختلفة كليا عن التركيبة اللبنانية.

  إذن المشكلة التي كانت تواجه حماس مع إرهاصات التحول تتمثل بالتناقض في خطابها وعدم وضوح المسار العام في ممارستها السياسية إذ أرادت جني ثمار العملية السياسية من دون التورط في دفع استحقاقاتها التي قدمتها حركة فتح حتى سمح لها بإقامة السلطة، إلى أن جاءت مؤخرا تصريحات غزال لترسم المعالم الجديدة لخطاب الحركة وممارستها السياسية. أما اكتمال التحول فيرتبط باستجابة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بمعنى أن غزال برسالته ألقى بالكرة في ملعب الخصم.

   من ناحية أخرى، فإن تصريحات غزال وإرهاصات التحول لدى حماس تأتي لتعزيز السلوك العقلاني الواقعي للحركة في ظل الظروف الإقليمية والداخلية الحرجة التي أسقطت شروط المرحلة السابقة. إذ إن إصرار حماس على مواقفها السابقة كان سيعني كلفة كبيرة على الشعب الفلسطيني دون عائد حقيقي، بل على النقيض من ذلك، استنزاف الحركة وإمكاناتها وتدمير البنية الاجتماعية الفلسطينية واحتمالات خلق مواجهات دامية في السياق الداخلي. وقد فهمت الحركة هذا الدرس جيدا بعد خسارتها لقياداتها التاريخية في موجة الإرهاب الإسرائيلية.

    تحتاج حماس إلى مرحلة لترويض كوادرها خاصة العسكرية وتقبل قاعدتها الاجتماعية للتحول الجديد، وهذا يتطلب جرعة كبيرة من الحجج العقلانية والواقعية في خطاب الحركة القادم. في المقابل لا يعني قبول الحركة بالمسار السياسي أن حماس تسير –بالضرورة- على خطى فتح، فحماس يمكنها أن تقدم نموذجا سياسيا مختلفا عن نموذج فتح، وبإمكانها أن تتفوق في أدائها السياسي والأخلاقي وممانعة حالة الفساد السياسي المنتشرة لدى نسبة من الطبقة السياسية الحالية المحسوبة على فتح. كما أن التحول في خطاب الحركة وممارستها لا يعني أن خياراتها السابقة كانت خاطئة، لكن السياسة لا تقبل الجمود والمطلقات، بل تقتضي التعامل مع مقتضيات الواقع وشروطه المختلفة.

   أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني، فإن المطلوب من الحركة أن يكون نشاطها السياسي ليس على قاعدة "البديل" عن فتح والسلطة الحالية، ولكن على قاعدة الشراكة الوطنية وبناء المجال السياسي التفاعلي الفلسطيني الذي يثبت أن الشعب الفلسطيني قادر على العطاء السياسي والمدني والثقافي كما كان قادرا على العطاء في ميدان المقاومة المسلحة. وقد سمعنا أن هناك دراسات ستقدمها بعض مراكز دراسات –على صلة بهذا الموضوع- تبحث في إمكانية إعادة تشكيل منظمة التحرير بما يسمح بدخول حماس فيها. إلاّ أن المرحلة الحالية لا تحتمل التأخير أو الأخطاء الكبيرة لأنّ هذا لن يؤثر فقط على مستقبل الحركة وإنما على الشعب الفلسطيني بأسره.

[email protected]

التعليق