الديمقراطية المختلة في أميركا اللاتينية

تم نشره في الجمعة 16 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

   في أميركا اللاتينية، يعيش العديد من الناس على المعونات. وفي كل مكان من نصف الكرة الأرضية الذي يضـم أميركا اللاتينية، تبادر الحكومات "الأبوية" إلى تعويد الناس علـى تلقي ما يكفي للبقاء على قيد الحياة فحسب بدلاً من المشاركة في المجتمع. وفي كل أرجاء المنطقة، يعمل أهل السياسة، الذين أطلق عليهم الكاتب أوكتافيو باز وصف "غيلان المعونات الخيرية"، على تنشئة عملاء بدلاً من مواطنين، وشعوب تتوقع وتنتظر بدلاً من أن تطالب.

    إن أميركا اللاتينية الديمقراطية تترنح لأنها لا تستطيع أن تنطلق إلى الأمام؛ فهناك العديد من الحواجز التي تحول دون دخول الفقراء، والمبدعين، وأولئك الذين يفتقرون إلى الثقة والنفوذ. لقد أقيم في أميركا اللاتينية عشرات الجدران في وجه الحركة الاجتماعية، والمنافسة، والعدالة في عالم السياسة وعالم الأعمال.

    ونتيجة لهذا، فعلى الرغم من قدرة أهل أميركا اللاتينية على الإدلاء بأصواتهم في بيئة أكثر ديمقراطية، إلا أنهم عاجزون عن المنافسة في بيئة العولمة. فقد أصبحت مستويات المعيشة تنحدر، والدخول يصيبها الركود، والآمال تـخمد. لذا، فقد بدأ الناس ينظمون المسيرات في شوارع بوليفيا، أو يصدقون وعود الرئيس الشعبي هوجو تشافيز في فنزويلا، أو يفكرون في العودة إلى ماضي الحزب الواحد في المكسيك، أو يتشوقون إلى طرد الفاسدين والمتبطلين -وهي المشاعر التي بدأت ترسخ في البرازيل الآن- أو يصوتون بأقدامهم كـما حدث فـي المكسيك، التي أصبح واحد من بين كل خمسة من شبابها بين السادسة والعشرين والخامسة والثلاثين من العمر يقيم في الولايات المتحدة.

    لقد أصبحت المنطقة أكثر ديمقراطية مما كانت عليه منذ عشرة أعوام، لكن حالات التفاوت وعدم المساواة قد تزايدت بنفس القدر. وعلى الرغم من توحد أميركا اللاتينية من خلال ممارسة حق التصويت، إلا أنها تظل منقسمة بسبب الفقر. فقد تم تنظيم الاقتصاد فـي دول أميركا اللاتينية على نحو يسمح بتركز الثروات في أيدي حفنة من الناس، الذين يُتركون دون أن تجبى منهم الضرائب، الأمر الذي يحرم الحكومات من الموارد التي تحتاج إليها من أجل الاستثمار في رأسمالها البشري المتمثل في مواطنيها.

    هناك في أميركا اللاتينية اليوم عدد قليل من الحكومات التي أخذت على عاتقها رعاية مثل هذا الاستثمار. والحقيقة أن الذي تحصل عليه شعوب أميركا اللاتينية في عصر الديمقراطية لا يتجاوز ذلك الكم الكبير من الأشغال العامة -الجسور والطرق السريعة والبنايات الشاهقة- المصممة لاستقطاب الدعم السياسي على الأمد القصير. وفي مثل هذه المشاريع، يتلاعب الساسة بالأصوات ويشترونها بدلاً من تمثيل أصحاب تلك الأصوات عن حق.

    تعكس مثل هذه الأولويات المشوهة حقيقة بسيطة، ألا وهي: إن الديمقراطية في أميركا اللاتينية عاجزة عن تفكيك الشبكات القديمة التي مازالت قائمة من المنتفعين وترتيباتهم التقليدية الخاصة بتقاسم السلطة. ويظل أهل النخبة القدامى منغلقين على أنفسهم داخل مجتمعاتهم المسورة، فيصدون عن أنفسهم الفقراء الذين لا يجدون في أنفسهم الحافز أو الباعث لتمكينهم، وذلك لأن العمالة الرخيصة مفيدة دوماً لأولئك الذين يستخدمونها.

هذا يعني أن قطاعات عريضة من السكان لا يكملون الدراسة الثانوية، ولا يدرسون في الجامعات أو المعاهد، ولا يصبحون مواطنين متمكنين داخل بلدانهم وفي العالم الأكثر اتساعاً. بل يظلون في خدمة تلك الأنظمة الاقتصادية-الاجتماعية التي تحظى العلاقات الشخصية فيها بأهمية أكبر مما تحظى به الكفاءة والمهارة من أهمية، وحيث يتم توزيع المناصب على أساس الولاء وليس الجدارة. هناك تنفتح الأبواب لأولئك الذين يحملون الأسماء الصحيحة، وأولئك الذين يستطيعون إقامة الصلات المناسبة. وهناك يتم تخصيص العقود بتربيتة على الظهر وغمزة بالعين. وهناك تباع الشركات التي تحتكرها الدولة للأصدقاء، الذين يصبحون بعد ذلك من أصحاب المليارات، مثل كارلوس سليم في المكسيك.

    على الرغم من الاضطرابات في بوليفيا، وتحرك الساسة الشعبيين في أرجاء المنطقة كافة، إلا أن أميركا اللاتينية ليست على حافة الانصهار الاقتصادي. والحقيقة أن المنطقة تظل مستقرة إلى حد كبير. لكن هذا الاستقرار لا يكفي لتحويل الناس من مصانع كعك الذرة إلى شركات تصميم برمجيات الحاسب الآلي، أو لتكوين طبقة متوسطة عريضة، وبالتالي لضمان إيجاد الآليات اللازمة لتحريك المجتمع وتعبئته.

    قد تكون الديمقراطية ناجحة حين نتحدث عن الانتخابات الحرة النزيهة، لكن هناك جانب آخر على قدر كبير من الأهمية يعاني من القصور، وهو قصور يتجاوز تأثير أو قدرات رؤساء الدول في المنطقة، سـواء كان هؤلاء الرؤساء من الشعبيين مثل هوجو تشافيز في فنزويلا، أو من المحافظين مثـل فوكس في المكسيك، أو ممن يميلون إلى اليسار مثل لولا في البرازيل، فهو قصور يرتبط في الواقع بحقيقة بنيوية تاريخية عميقة.

    إن قصور الديمقراطية في أميركا اللاتينية ناتج عن نمط من السلوك السياسي والاقتصادي يحكم على أميركا اللاتينية بالركود، بصرف النظر عمن يتولى الحكم. فهو نابع من نمط من الإصلاحات البنيوية المؤجلة أو الجزئية في مجال الخصخصة الذي يستفيد منه أهل النخبة، لكنه يلحق الضرر بالمستهلكين.

    لقد أدى هذا إلى دعم نموذج يولي استخراج الموارد قدراً من الأهمية يفوق ذلك الذي تحظى به قضايا مثل التعليم وتمكين الناس. إن الموارد الوفيرة، مثل النفط، تعد مصدر أذى للديمقراطية في الدول النامية، وذلك لأن الحكومات حين تحصل على العائدات التي تحتاج إليها في مقابل بيع النفط، فإنها لا تحتاج إلى تحصيل الضرائب. والحكومات التي لا تحتاج إلى توسيع قاعدة تحصيل الضرائب تملك القليل من البواعث والحوافز التي قد تدفعها إلى الاستجابة لاحتياجات شعوبها.

    من المؤكد أن الحكومات القائمة على العمالة وليس المواطنة لا حاجة بها إلى الاستجابة على الإطلاق. فهي تتعمد إقامة أنظمة ديمقراطية سطحية، بحيث يستطيع الناس الإدلاء بأصواتهم إلا أنهم لا يشاركون بأي قدر في حقيقة الأمر، وبحيث تتركز الثروات على نحو متزايد، وتصبح الدخول متفاوتة إلى حد يستعصي على الإصلاح.

   والأسوأ من كل ذلك، أن مثل هذه الحكومات -سواء أكانت استبدادية أم ديمقراطية بالاسم- تحول مواطنيها إلى متلقين بدلاً من مشاركين، وتعمل على خلق فئة من الناس يعيش أفرادها وهم يبسطون أيديهم إلى الأمام بدلاً من أن يرفعوا رؤوسهم عالياً.

دينيس دريسر أستاذ العلوم السياسية بالمعهد التكنولوجي المستقل بالمكسيك.

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005

ترجمة: أمين علي

التعليق