توحيد أصوات الإعتدال

تم نشره في الثلاثاء 13 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

مقال جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي نشرته صحيفة كورييرا ديلاسيرا الإيطالية في عددها الصادر يوم أمس الاثنين الموافق 12/9/2005

على مدى خمس سنوات، كانت وجهة نظري أن النضال العالمي ضد الإرهاب لا يمكن أن يتمَّ بالوسائل العسكرية وحدها. فهو، إضافة إلى الجهد العسكري، جهد أخلاقي وفكري واجتماعي أيضاً. فكي يتسنّى لنا هزيمة أولئك المتطرفين، علينا أن نقاوم جهودهم لخلق صراع وصدام بين الحضارات، قد يؤديان إلى إحداث شرخٍ بين ذوي النيّات الحسنة وإضعاف مسيرة التقدّم نحو تحقيق السلام والازدهار. وعلينا جميعاً أن نتقبّل المسؤولية لرفض الكراهية، والجهل، والعنف وهذا يتطلّب حواراً مخلصاً متصلاً بين الغرب والعالم الإسلامي.

وفي نطاق مثل هذا الجهد، سنجتمع اليوم (نشر المقال أمس 12/9)، زوجتي جلالة الملكة رانيا وأنا، إلى قداسة البابا بندكتوس السادس عشر. وستكون محادثاتنا بمثابة دفعة إلى الأمام نحو حوار إيجابي بين ديانتينا يحترم فيه كل طرف الطرف الآخر. وفي الواقع، ينخرط الأردن بصورة معمّقة في مثل هذا الحوار التاريخي. وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني، الذي بدأ حجّه بمناسبة يوبيله الفضي في عمّان، دعانا "الأخوة الذين ينتسبون إلى إبراهيم". وبلدنا الإسلامي وطن لمجتمع مسيحي عربي يمتد تاريخه إلى ألفي عام. وأفراد شعبنا، معاً، بمثابة فرد واحد في تعاضدهم وإسهامهم في حيوية بلدنا، ومستقبلها، وفي السعي لإحلال السلام فيها.

إن الحرية الدينية التي كفلها الدستور في الأردن تعبّر عن القيم العربية الإسلامية الأساسية- الدعوة إلى إحلال السلام، واحترام الآخرين، والوصية بالعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا هو صوت الإسلام الذي تعلّمه الناس ومارسوه على مدى ما يزيد على ألف عام، وهو نقيض الأيديولوجية الجاهلة التي تضجّ بالكراهية وتطلقها ألسنة العناصر المتطرفة في أيامنا هذه. إن غالبية المسلمين، اليوم، مصممون على استعادة دينهم التاريخي. و"رسالة عمّان" التي أطلقت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تعيد طرح تعاليم الإسلام فيما يتصل بالخضوع لله، والتساوي في الكرامة بين جميع الناس، والتعاطف والتكافل، والتعددية؛ وهي تدين التطرّف والإرهاب باعتبارهما انحرافاً عن الإسلام ومخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه.

إن هذا الجهد، وغيره من الجهود، تسعى جميعها لتوحيد أصوات الاعتدال، التي تشكّل في الواقع الغالبية العظمى من المسلمين، هنا في إيطاليا، وفي الأردن، وفي جميع أرجاء العالم. وقد نهض علماء الدين المسلمون البارزون في أوروربا والشرق والأوسط إلى إدانة الإرهاب بصورة حاسمة، منوّهين بأن واجب المسلمين العمل على حماية الأبرياء. واستضاف الأردن، في شهر تموز/يوليو المؤتمر الإسلامي العالمي الأول. وشارك فيه ما يزيد على 170 من العلماء والخبراء، من السنّة والشيعة، من أكثر من 40 بلداً، من بينها العديد من الدول الأوروبية. وقد أكد المندوبون المشاركون القيم الأساسية التي بسطتها "رسالة عمّان"، واتخذوا إجراءات محددة لوقف الإساءات إلى ديننا.

إن الإسلام لا يعزل المؤمنين به خلف جدران الكراهية والفُرْقة. فهو يشجع أهلنا على المشاركة مع جميع بني البشر في المسيرة العالمية للتقدم والسلام. وقد تقيّد الأردن بهذا الالتزام. إذ لعب بلدنا دوراً رئيسياً في جهود السلام الإقليمية، ونحن نشعر بالسعادة لقيام إيطاليا بدعم دورنا البنّاء. واليوم، وبدعم إيطالي من خلال "اللجنة الرباعية" و"الدول الصناعية الثماني"، أصبح لدينا خريطة طريق للسلام في النزاع العربي- الإسرائيلي. وتوفر خريطة الطريق، التي تستند إلى المبادرات الريادية للسلام التي أعلنت عنها الدول العربية في قمة بيروت للقادة العرب عام 2002، حلاً شاملاً يقوم على وجود دولتين، وهو النمط الوحيد للسلام الذي يمكن أن يدوم: دولة فلسطينية ذات سيادة، ديمقراطية، وقابلة للحياة؛ وضمانات أمنية لإسرائيل؛ وعملية تؤدي إلى تسوية شاملة تشمل المسارين السوري واللبناني. علينا أن لا نسمح لأعداء السلام أن يوقفوا هذا الجهد البالغ الأهمية.

ويعمل الأردن وإيطاليا معاً أيضاً لتحقيق الأهداف الإقليمية الأخرى. فبلدانا ملتزمان بالأمن وإعادة الأمور إلى طبيعتها في العراق؛ وفي نطاق هذا الجهد، استشعر الأردنيون بعمق تضحيات بلدكم النبيلة. ونتعاون أيضاً في الإصلاح والتنمية الإقليميين. فمن الأهمية بمكان بالنسبة للسلام العالمي أن يتمكن الناس في الشرق الأوسط، وخاصة جيل الشباب لدينا، من الاشتراك في ما يحمله هذا القرن من وعد الحرية والازدهار. وقد عمل الأردن، من أجل هذه الغاية، على تأسيس أنموذج غير مسبوق للإصلاح والتقدم الإقليميين. ونحن نقوم بإحداث تغييرات هيكلية لبناء الحياة السياسية الديمقراطية، وتجذير حقوق الإنسان، وتوفير إمكانية الوصول إلى الفرص المتاحة على جميع المستويات في المجتمع. وفي مجال الاقتصاد، شجعنا الإبداع، وعزّزنا البنية التحتية التربوية والاجتماعية لتشجيع التنمية والنمو. وكانت إيطاليا شريكاً تجارياً يحظى بالأولوية، ونحن ممتنون لدعم بلدكم المستدام للتنمية في بلدنا والمنطقة. كما لعبت إيطاليا دوراً بالغ الأهمية في الأمم المتحدة وفي نطاق اجتماعات الدول الصناعية الثماني، لدعم تقديم المساعدات الدولية وخفض الديون للدول ذات الدخل المتوسط، مثل الأردن، التي برهنت على وجود الإرادة لديها للسير قُدُماً فيما تنهض به.

علينا أن نعمل معاً لإحداث التغيير العالمي الإيجابي الذي يسعى بلدانا لتحقيقه. وتعكس الشراكة بين الأردن وإيطاليا صداقة قوامها المُثُل التي نشترك فيها معاً، إضافة إلى المستقبل المشترك.

وأعتقد أننا بعملنا معاً يمكننا أن نساعد في تحقيق السلام والأمن اللذين يحتاجهما ويستحقهما بلدانا، وجميع الناس.

مقال جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي نشرته صحيفة كورييرا ديلاسيرا الإيطالية في عددها الصادر يوم أمس الاثنين الموافق 12/9/2005

التعليق