أميركا بين إعصارين.. أحدهما صنعته بيديها في العراق

تم نشره في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

   غرقت الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تزال الى إشعار آخر القوة العظمى الوحيدة في العالم، في مستنقع آخر اسمه الإعصار "كاترينا"، والذي ضرب خصوصا مدينة نيو أورليانز في ولاية لويزيانا، مخلفا آلاف القتلى، ومأساة إنسانية لم يشهد البلد مثيلا لها منذ فترة طويلة. وأثّر الإعصار على اسعار النفط بعدما تعطلّت مصاف عدة في المنطقة المنكوبة.

    لم يكشف الإعصار مدى هشاشة المؤسسات الأميركية التي عليها التعاطي مع كوارث تتسبب بها الطبيعة وحسب، بل كشف أيضا مدى اعتماد القوة العظمى الوحيدة في العالم على مصادر الطاقة خارج أراضيها، وفي الشرق الأوسط تحديداً.

     بدا للوهلة الأولى أن لا علاقة بين الإعصار الذي ضرب ولايات أميركية، خصوصا لويزيانا، وبين الإعصار الآخر الذي مسرحه العراق، والذي تسببت به الإدارة الأميركية التي لم تُقم أي حسابات لمرحلة ما بعد الاحتلال العسكري لهذا البلد. ولكن، تبين لاحقا أن ثمة أوجها شبه كثيرة بين الإعصارين؛ فكما حصل في العراق، حصل في نيو أورليانز. في المكانين انفلتت الغرائز وباتت تتحكم بتصرفات الناس. وفي الحالين تبين ان الإدارة الأميركية لم تتخذ الإجراءات التي كان يفترض بها اتخاذها بشكل مسبق لمنع عمليات السلب والنهب. في الحالين تدخل الجيش الأميركي متأخرا لمحاولة بسط الهدوء والأمن. وفي الحالين ظهرت الإدارة الأميركية في مظهر المنحاز مع طرف ضد طرف آخر.

    في العراق، بدا وكأن أهل السنة العرب آخر هموم سلطات الاحتلال الأميركية، وأن لا علاقة لها بمصيرهم وبما يتعرضون له. وكانت النتيجة ان لجأ هؤلاء الى الإرهاب لعله يعيد لهم بعض حقوقهم. وفي العراق ايضا، نهبت البيوت والمتاحف على مرأى من الجنود الأميركيين ومسمعهم، وكانت ولا تزال عمليات خطف يومية يبدو واضحا أنها تستهدف في نهاية المطاف تأكيد أن البلد لن تقوم له قيامة الا اذا سيطرت عليه فئة معينة موجهة من الخارج وذلك باسم حكم الأكثرية.

    انفلتت الغرائز في العراق، وليس ما يشير، أقله في المدى المنظور، الى انه سيكون في الإمكان ضبط الأوضاع مجدداً. عند هذا الحد تتوقف المقارنة بين الأعصارين.

    في نهاية المطاف سستتمكن مؤسسات الدولة العظمى من إعادة الأوضاع الى طبيعتها في ولاية لويزيانا وغيرها من الولايات المتضررة، والتي تبلغ مساحتها نحو 235 ألف كيلومتر مربع، أي ما يوازي نصف مساحة فرنسا، لكن سيظل عالقاً في ذهن الأميركيين أن دولتهم تظل، وبغض النظر عن آلتها العسكرية وكل ما تمتلكه من تكنولوجيا متطورة وكل ما فيها من شركات عالمية كبيرة، دولة متخلفة في ما يخص جوانب معينة. إنها دولة غير قادرة على فهم الأحاسيس الإنسانية والتعاطي معها، والدليل على ذلك عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي الكارثة الناجمة عن أعصار "كاترينا". لقد كان هناك متسع من الوقت لإجلاء المواطنين عن المناطق المنكوبة، والمؤسف أن الميسورين فقط -ومعظمهم من البيض- استطاعوا المغادرة في الوقت المناسب. اما الفقراء، ومعظمهم من السود، فقد بقوا حيث هم، وكانت النتيجة أن آلافا من هؤلاء قضوا! من سيقنع مواطني نيو أورليانز الذين تصل نسبة السود بينهم الى سبعة وستين في المائة، بأن لا تمييز عنصريا في الولايات المتحدة، وأنه لم تتخذ الإجراءات الواجب اتخاذها لأن المهددين بالإعصار هم في معظمهم من السود؟ من سيقنعهم بأن الإدارة الأميركية ترددت في إرسال فرق الإنقاذ باكرا على الرغم من أنه كان معروفا قبل أيام عدة من الكارثة بأن الأعصار المدمر في طريقه الى لويزيانا وولايات أخرى؟

     سيمضي وقت طويل قبل أن ينسى ملايين الأميركيين من سكان الولايات الجنوبية أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، لكن سيأتي يوم يقال فيه إن الإعصار مر من هنا، وان لابد من تناسي ما حصل، على الرغم من الخسائر الضخمة إنسانيا وماديا. فإضافة الى ان عدد القتلى يمكن أن يتجاوز العشرة آلاف، يمكن للخسائر المادية أن تزيد على مائة مليار دولار...  وفوق ذلك كله، ظهر مسلحون في شوارع نيو أورليانز، راحوا ينهبون كل ما وقعت عليه أياديهم!

    في النهاية، ستتجاوز القوة العظمى الوحيدة في العالم إعصار "كاترينا"، وسيكون في استطاعتها أن تنساه يوماً، لكن كيف يمكن للعراقيين وللعرب عموماً تجاوز الإعصار الأميركي؟ لقد جاء الاميركيون الى العراق لإعادة تشكيل المنطقة والعالم، انطلاقا مما سيفعلونه في هذا البلد. وتبين أنهم سيكونون قادرين على ذلك في حال اعترفوا بأن المستفيد الأول من حربهم على العراق هو إيران، علما بأنه في المدى البعيد، ستكون اسرائيل المستفيد الحقيقي، من زاوية ان تفتيت العراق تفتيت للمنطقة ليس الاّ، وهذا ما يخدم مصالحها الإستراتيجية.

    ذلك هو الإعصار الحقيقي الذي يواجه الولايات المتحدة؛ إنه إعصار من صنع يديها. لقد كانت الفكرة التي في أصل اجتياح العراق فكرة لها ما يبررها، خصوصا اذا أخذنا في الاعتبار ما ارتكبه نظام صدام حسين من جرائم في حق العراقيين واهل المنطقة، لكن النتائج التي تحققت لا تبشر بالخير إطلاقا.

     هناك مؤشران الى أن الإعصار الذي ضرب العراق والشرق  الأوسط لا يزال في بدايته. يتمثل المؤشر الأول في ارتفاع أسعار النفط، وزيادة اعتماد أميركا على الذهب الأسود الذي مصدره المنطقة. اما االمؤشر الثاني، فيتمثل في زيادة النفوذ الإيراني في العراق، الى حد أنه يمكن القول إن جزءا من العراق صار تحت السيطرة الإيرانية. وهذا الواقع لا تخفيه إيران، التي يؤكد المسؤولون فيها أن أميركا صارت تحت رحمتهم في ضوء التطورات التي حصلت في العراق. والأخطر من ذلك كله، أن الصراع المذهبي في العراق لم يعد سرا.

    أميركا بين اعصارين: الأول "كاترينا"، وهو إعصار طبيعي انتهى أو يكاد أن ينتهي، لكنه كشف هشاشة ما لدى القوة العظمى الوحيدة في العالم. أما الإعصار الثاني الذي هو من صنعها، فإنه لا يزال في بدايته. الخوف كل الخوف ليس من انعكاسات هذا الإعصار على إمدادات النفط العالمية وحسب، بل من حرب مذهبية تتجاوز حدود العراق، وتتحول الى مواجهة غير مباشرة تتخذ طابع حرب عربية-فارسية، تدور في منطقة كلها آبار نفط أيضا. ماذا ستفعل أميركا في هذه الحال؟ هل أمامها خيار آخر غير مزيد من التورط العسكري في منطقة الخليج؟ 

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق